• الطين لكحل

    الطِّينْ لَكْحَلْ

    يحكى انه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان سلطان عظيم ذو قوة وجاه كبيرين، وذات يوم جمع كهنته لينظروا فيما سيكون من أمره وأمر ملكه، فخططوا ورملوا وقالوا له: يا سلطان الزمان لقد رأينا أنه سيولد لك البنين والبنات، وان البنات سيسعين في هلاك البنين وتخريب ملكك . فانقلب الضياء في وجهه ظلام، ومنذ ذلك الحين عزم على قتل و وأد  كل أنثى ولدت له..<o:p></o:p>

    وفي احد الأيام وضعت إحدى زوجاته توأما من ذكر وأنثى، فعمدت هي وبقية الأزواج إلى إخفاء الطفلة لكي لا يتم قتلها، فأمرت الخدم فحفروا لها نفق في جوف الأرض وأقاموا فيه غرفة جميلة مجهزة بكل ما يٌحتاج إليه وضعت ابنتها بها حتى لا يعلم بها السلطان فيقتلها، وكانت تنسل بين الحين والآخر لإرضاعها .. ولما بلغت الفطام أمرت خدمها بان يعطوها اللحم أو الفاكهة من دون عظم أو نواة، وتوالت السنين وانسابت، و أصبحت الطفلة راشدة وهي تعتقد ان كل العالم هو تلك الغرفة وأنها كل ما يمكن ان يكون، إلى ان جاء يوم نسي الخدم فيه تمرة بنواتها ، فلما بدأت بالأكل وقعت عليها وبدأت تعلك عظمها وتتأمل في أمرها (لماذا هذه التمرة ليست كبقية التمرات ، وكيف جاءت إلى هنا ؟ ومن أين؟ وسيل من الأسئلة المتسلسلة) ولما رجع احد الخدم لرفع مائدة الطعام غافلته وتبعته دون ان يشعر بها، ففتحت عينيها لأول مرة على العالم الخارجي، وبهرها سحره وجماله . أما أمها وبقية الأزواج فقد راعهن منظرها، وخفن على أرواحهن، فالسلطان لا محالة قاتلهن ان كشف سرها جزاءا على خيانتهن، ففكرن ودبرن، وقلن لأخيها التوأم : إن السلطان إذا علم بأمر أختك سيقتلها ويقتلنا معها، فاذهب بها بعيدا وأطرحها أرضا لا ترجع منها أبدا أو تأكلها السباع..<o:p></o:p>

    فأسرج جواده وأردف شقيقته قائلا لها: تعالي يا أختاه نذهب إلى الصيد في نزهة حتى تتمتعين بجمال الطبيعة وسحر أطيارها و أزهارها. وانطلقا يقطعان البراري والفلوات والوديان.<o:p></o:p>

    أما السلطان فإنه لما رجع إلى قصره سأل على ابنه فقيل له انه خرج ليشم الهواء وقد ضاق به الحال في مقصورته ، وفي الليل لما لم يعد أرسل جماعة من جنده في طلبه فلم يعثروا له على أثر ، فظنوا انه أكلته السباع أو اعترضته عصابة من قطاع الطرق ، وعزى النفس عنه بالتأسى .<o:p></o:p>

    ولما جن عليه الليل عزم على الاستراحة،  وكانت أخته قد بلغ منها التعب كل مبلغ ، فتوسدت ركبته ونامت بفم مفغور نوما عميقا، فلما رآها على تلك الحال عزم على الانسلال والرجوع من حيث أتى كما قالت له أمه، لكنه أشفق من أخته و لم يطق فراقها وتركها فريسة للوحوش، فاغرورقت عيناه بالدموع و تساقطت ساخنة على وجهها، فأيقظتها من سباتها، ولما رأته على حاله تلك قالت له: ما بك يا أخي تبكي هل حصل مكروه؟ فأخبرها بالقصة من أولها إلى آخرها وقال لها : " وْدَابَا رَاسِي عْلَى رَاسْكْ خْسَارَة"  أي انه سيدفع كل مكروه عنها وأنه سيضحي بنفسه من أجلها.<o:p></o:p>

    و واصلا المسير علهما يجدان موطن يستقر لهما فيه المقام، إلى ان دخلا إحدى المدائن الجميلة، فطافا بأرجائها و أزقتها، لكنهما لم يصادفا بها بشر، فشوارعها خالية و حوانيتها فارغة من الناس، واستقرا في إحدى دورها دون ان تخطر لهما فكرة كشف أسرارها، وفي الغد ذهب السي محمد للصيد وترك أخته تستريح من عناء الطريق، وفي المساء عاد بصيد وفير ورزق كثير، فشويا وأكلا ما لذ وطاب، واستمرا على تلك الحال مدة من الزمن غير يسيرة إلى ان جاء يوم خرج فيه كعادته للصيد، فخرجت أخته من دون علمه لتروح عن نفسها فدفعها الفضول من زقاق إلى زقاق ومن حارة إلى أخرى إلى ان وجدت نفسها أمام قصر منيف عظيم تقف أمام بابه فتاة جميلة يخجل القمر من رؤيتها ، فسلمت عليها، فقالت لها الفتاة : " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يَا هَادْ الشّْبَاب الزَّيْنْ اللِّي مَا يَتْسَاهَلْ خْسَارَة "، فسألتها عن ذلك القصر، وعن سر فراغ المدينة من سكانها، فردت عليها الفتاة: إن هذا القصر يحتوي على سبعة أبواب وفي كل باب تقف فتاة مثلي وفي الباب السابع توجد مقصورة بها غول عظيم، وهو الذي أخلى هذه المدينة من سكانها فبعضهم قتله وبعضهم هرب إلى أماكن سحيقة ، والآن فإنه نائم فاغتنمي الفرصة و انجي بنفسك بعيدا عن هذا المكان. <o:p></o:p>

    لكنها لم تكترث لكلام الفتاة و أصرت على الدخول فوصلت للباب الثاني فقالت لها الفتاة الثانية مثل الأولى ، فالثالث والرابع والخامس والسادس إلى ان وصلت مقصورة الغول فدخلتها وجدته يغط في نومه، بشع الخلقة نتن الرائحة ، فوقعت في حبال غرامه، وأيقظته بلطف وعناية ، فلما رآها قفز منذعرا وقال: والله لو لم أخف بطش أخيك بي لقتلتك شر قتلة، فاذهبي من هنا ولا تعودي لي أبدا فأخوك فارس مغوار وأنا لا أقدر على قتاله وحربه.<o:p></o:p>

    فقالت له: أتعرفني و تعرف أخي؟  <o:p></o:p>

    - أعرف كل شيء يدور في هذه المدينة، والآن اذهبي ولن أريد رؤية وجهك ثانية.<o:p></o:p>

    فبدأت تستعطفه، وتبكي عليه وتقول: يا سيد الغيلان سيعز علي فراقك وان كنت مصمما عليه فاقتلني ربما أجد في الموت العزاء عنك. فأثر كلامها الرقيق عليه و رق قلبه لها وقال : ان كنت تقصدين ما تقولين فعليك التخلص من أخيك والسعي في هلاكه، فإنه ان سمع الخبر لا محالة قاتلي .<o:p></o:p>

    - وكيف الوصول إلى ذلك، و أنت الغول لم تقدر عليه.<o:p></o:p>

    - اصطنعي حيلة وقولي له ان يأتيك ببيض الطِّينْ لْكْحَلْ ، فإنه لن يعود من مغامرته تلك أبدا.<o:p></o:p>

    ولما جاء المساء دخلت للبيت و كأن شيئا لم يحصل، وتظاهرت بالتعب و المرض، وبأت تتلوى في فراشها وتئن فسألها أخوها عما حل بها،  فقالت له : إني اشعر بألم في بطني، وإن أمي كانت تأتيني ببيض الطِّينْ لْكْحَلْ ولست أدري من أي مكان تأتي به.<o:p></o:p>

    فلم يطق صبرا على ما حل بأخته وقال : ان كان في السماء أو في الأرض سأحضره. وانطلق في الحال، وحينما أيقنت بذهابه، رجعت إلى الغول لتزف له البشرى.<o:p></o:p>

    في تلك الأثناء كان سي محمد في الطريق ترفعه نجاد تخفضه وهاد يسير ليل نهار ويسأل كل من يلتقي به عله يعثر على خبر الطِّينْ لْكْحَلْ وقلبه يكاد يتشقق حزنا على أخته من أن تموت أو يصيبها مكروه في غيابه .<o:p></o:p>

    أما الطِّينْ لْكْحَلْ فهو إسم لملكة من ملوك الجان، ذات جاه عظيم وشأن، ولها مارد اسود جبار قهر كل عظيم ولا يوجهه إلا لئيم، واسمه عَزِّي بْنْ دَادَّا، والغول يعرف جبروته لذلك طلب من الأخت  ان تزج بأخيها في تلك المغامرة. ولما رأى عَزِّي بْنْ دَادَّا شبح السي محمد يقترب من مملكة الجان اقتلع إحدى الأشجار من جذورها ورماه بها ، فاعترضها بسيفه وقسمها نصفان، ثم رماه بصخرة عظيمة فشقها بسيفه إلى شقين، و استمرا في القتال إلى آخر النهار . ولما افترقا عاد عَزِّي بْنْ دَادَّا إلى سيدته الطِّينْ لْكْحَلْ وقال لها : لقد لقيت من نهاري هذا رهقا، لم يسبق لي ان قهرني انس ولا جان مثل ما قهرني هذا العبد اللئيم، لم أرى مثل حربه قط.<o:p></o:p>

    - ويلك يا أحقر الجان، ان عدت لي بهذا الحديث سيكون لي معك شان .<o:p></o:p>

    فعادا في اليوم الثاني فاقتتلا حتى غروب الشمس وافترقا ثم فعلا نفس الشيء في اليوم الثالث دون ان يظفر أحدهما بالآخر. فرجع عَزِّي بْنْ دَادَّا عند سيدته مقهورا متذمرا وقال لها : يا سيدتي إن ذلك الرجل قهرني ولم أعد أطق قتاله .<o:p></o:p>

    فقالت له: غدا دعه يدخل ، وسوف نرى قصده ، ان كان مسالما سالمناه ، وان كان محاربا حاربناه ، وان كان مظلوما أجرناه .<o:p></o:p>

    ففتح له الطريق  ودخل عند الطِّينْ لْكْحَلْ وطلبها بغيته، ومراده، ولما رأته عرفت من يكون وماهية قصته وكل ما جرى له من أوله إلى أخره ، فحاول استعجالها في أمره لكنها شرطت عليه الضيافة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع ناولته ثلاثة بيضات لتطمئن نفسه ليس إلا، وقالت له : اسمع مني هذه النصيحة إذا حدث لك مكروه، أو غدر بك غادر فقل لغريمك ان يحزمك فوق جوادك ويقول له" الطّْريق اللِّي جَابْتَك تْرُدَّك"، و ركض على جواده غير مكترث، ومرق مروق السهم إلى الرمية وباله مشغول على أخته ..ولما دخل المدينة تنبأ به الغول فقال لشقيقته : أهجرني ولا تعودي لي بعد اليوم، فمن قهر عَزِّي بْنْ دَادَّا فما أنا إلا ذبابة أمام عينيه، فبكت و استعطفته ولثمت يديه ورجليه، فقال لها: لن أراك هنا أبدا إلا وقد تخلصت من أخيك، وأهلكته.<o:p></o:p>

    وانطلقت إلى البيت بسرعة مهمومة مغمومة على فراق الغول ونجاة أخيها، وتظاهرت بالمرض فبدأت تتوجع وتتلوى مثل الأفعى..ولما دخل عليها أخوها بدأت بالتباكي وقالت له : منذ ذهابك لم يغمض لي جفن ولا اكتحلت عيناي بالنوم، لقد خفت ان يصيبك مكروه، ولم أطق فراقك . ثم ناولها البيضات الثلاث وداعبت بهم بطنها وقالت لأخيها: أشعر الآن بالراحة و الاطمئنان وذهاب ما كان بي، ثم استقامت واقفة معافاة، ففرح فرحا كبيرا لشفائها وحكى لها كلما لقاه في رحلته من صعاب وعقبات. ولما أتم حديثه قالت له: إني فخورة بك يا أخي فأنت فارس مغوار، وبطل شهم شجاع.<o:p></o:p>

    - لكن يا أختي لو أخذت شعر رأسي هذا وربطت به يداي ورجلاي لن أستطيع الحراك .<o:p></o:p>

    - لا أعتقد ذلك فما أراك إلا مازح، دعني أجرب بنفسي، فأخذت شعره وربطته به من يديه ورجليه حتى عجز عن الحركة وقال لها: أ رأيت صدق كلامي ؟ ففكي رباطي الآن . <o:p></o:p>

    - انتظر قليلا، سآتيك بمن يخلصك ويريحك إلى الأبد، وذهبت لتعلم الغول بما دبرته.<o:p></o:p>

    فجاءا معا وأخوها لا يزال مكتوفا كما تركته لا حول له ولا قوة، فلما رآها مع الغول أدرك خبث نفسها، ومدى غدرها، وقال للغول: لماذا تفك وثاقي، ونرى من البطل، فك لي على الأقل يد واحدة.<o:p></o:p>

    فرد عليه: لست من فعل بك هذا، وليس من شيمي الغدر، إنما هو أمر من تدبير أختك، و لست بغبي حتى أترك فرصة التخلص من غريم دخل مدينتي وفعل فيها ما يريد. <o:p></o:p>

    فقال: أريد ان تحقق لي طلبا واحدا، فأنا لا أريد أن تشتت أجزائي  في أرض الغدر هذه، لذلك حينما تنتهي مني فاحزمني فوق حصاني وقل له"الطْرَيْڮْ اللِّي جَابْتَك تْرُدَّكْ".<o:p></o:p>

    ولما فرغ من أمره، و وضعه فوق حصانه، وكان ما يزال به رمق من الحياة، وقال له:" الطْرَيْڮْ اللِّي جَابْتَك تْرُدَّكْ"، فانطلق الجواد مثل البرق يقطع الأودية و السهول، ولما شارف على مملكة الجان رآه عزِّي بْنْ دَادَّا فقال لسيدته: إني أرى نقطة سوداء يلوح بها الأفق تقترب منا رويدا <o:p></o:p>

    فقالت له : عجل بها فلا شك  إنها "سي محمد" قد لقي من أخته والغول الأسوأ ، وكانت الطين لكحل قد أعجبت به وببسالته ونبله ولم يسبق لها ان رأت في الإنس ولا في الجان نظيره ، فعزمت على الزواج منه . <o:p></o:p>

    ولما أوصله عزِّي بْنْ دَادَّا أمرت مجموعة من الوزغات بمداواته وخيط جراحه، وهو فاقد لوعيه ولا يبدي حراكا، وفي اليوم الثالث فتح عينيه، وبدأ في التحسن والمعافاة إلى أن استقام واقفا فقال لها: أما الآن فإني اعزم على الرجوع لتصفية حسابي و الأخذ بثأري. <o:p></o:p>

    فقالت له: لا تحمل هما فبإشارة مني سأحضر لك ذلك الغول ذليلا بين يديك راكعا أمام رجليك.<o:p></o:p>

    لكنه أصر على الذهاب والتحدي، ولما رأت قوة عزيمته وجيشانه قالت له : قبل الذهاب يجب عليك امتحان نفسك وقواك، و ان كانت قد التأمت جراحك .<o:p></o:p>

    فحمل حجرة كبيرة و رماها وراءه فانفتحت بعض الجراح وبدأت تسيل بالدم، فخضع للعلاج من جديد إلى ان استعاد كامل قوته، فانطلق يبغي الأخذ بثأره. ولما دخل المدينة قصد قصر الغول، فوجد أمام أولى أبوابه تلك الفتاة التي اعترضت أخته أول مرة فحذرته من خطر الغول ونصحته بالذهاب بعيدا عن هذا المكان، فحكى لها قصته و مراده، ثم دخل الباب الثاني والفتاة الثانية والثالث والرابع.. إلى ان وصل مقصورة الغول، فوجده نائما متوسدا شعر أخته، فنغزه بسيفه ليوقظه، ولما استفاق قال له : ان كنت قد غدرت بي في المرة الفائتة، فالغدر ليس من صفاتي ولو كنت كذلك لضرجتك في دمائك وأنت في عمق نومك وسباتك والآن اترك لك مهلة الاستعداد لقتالي .<o:p></o:p>

    أما أخته، لما رأته، فقد بدأت بالتباكي، وحاولت معانقته والتظاهر بالندم على ما فعلته، لكنه منعها من الاقتراب له برأس سيفه، ودخل مع الغول في قتال عنيف، وكان لهذا الأخير سبعة رؤوس فلما أيقن من هلاكه قال للسِّي محمد : لقد حققتٌ رغبتك في جمعك فوق حصانك، والآن كن بي رحيما ولا تعذبني أكثر، فإذا قطعت ستة من رؤوسي فلا تزد السابع، فإنك ان قتلته تعود كل الرؤوس إلى الحياة .<o:p></o:p>

    فقطع الرؤوس الستة وزاد السابع ليتأكد من صدق الغول، أو أنها مكيدة يكيدها، فعادت كل الرؤوس إلى الحياة، ثم بعد ذلك قتل الستة وترك السابع، وانتهى من أمره ، وصحب البنات الستة وعاد إلى مملكة الجان؛ أما أخته فقد تركها في تلك المدينة الخالية، ولم يدنس سيفه بدماء غدرها، وهذا ما كان من أمرها.<o:p></o:p>

    ولما وصل هنأنه الطين لكحل بالسلامة والانتصار وتزوجها وبقية البنات الستة، وصفت لهم الأيام وطابت، لكنه تذكر الأهل و الأوطان، وراوده الشوق والحنين، فجمع أزواجه وحدثهن بأمره، وما ضاق به صدره، فقالت له الطين لكحل: ماذلك إلا كرمش العين، وإشارة الأصبع ، فأمرت مَرَدَتَهَا ، وفي الحال أقاموا لها قصرا عظيما وفريدا بالقرب من قصر السلطان، والد زوجها، بأضواء باهرة، وحدائق غناء ساحرة، شرفاته فسيحة، وأرجاؤه واسعة، متفتحة أزهاره، ومغردة أطياره.<o:p></o:p>

    ولما قام مؤذن السلطان لرفع أذان الفجر من فوق صومعة المسجد العالية أطل على ذلك المنيف، فلم يصدق عيناه، وانطلق للوزير ليخبره الخبر، فرأى بدوره حسن صنيع ذلك القصر، وبديع جماله، فطمع فيه، وحدث السلطان بحديثه و أمره، ولما بدا الصباح ولاح أرسل السي محمد الهدايا النفيسة، والمراسيل لأبويه يعلمهما بمجيئه، ويدعوهما إلى قصره، فلبس السلطان أعز ما لديه وصحب وزيره و حاشيته لملاقاة ابنه وإجابة دعوته، فعانقت الأم ابنها وبكت فرحة باللقاء، فحكى لهم كل ما جرى له وقدم لهم عياله، في تلك الأثناء كان الوزير يوسوس للسلطان ويقول له: ان هذا ليس ابنك، ولن نفوت علينا فرصة الانقضاض على  هذا القصر وعياله فاخذ ثلاث وتأخذ أربع ، واستمر يغريه بمثل هذا الحديث الخبيث، أما أمه وبعد فراق طويل أقسمت ان لا تفارق ابنها أبدا. وانقاد الملك لرأي وزيره، وفي الغد أمر كبير كهنته بتدبير حيلة يتم من خلالها هلاك ابنه ، فتنكر الكاهن بزي درويش وذهب أمام قصر الطين لكحل وبدأ يصيح بأعلى صوته : ياللعار والظلم ..فرآه السي محمد فسأله عن شأنه فقال له : ان السلطان جار علي وغصبني أرضي ..<o:p></o:p>

    - وأين توجد تلك الأرض ؟ <o:p></o:p>

    - إنها قريبة من هنا اتبعني سأريكها<o:p></o:p>

    وكان يحمل قربتين في الأولى ماء عذب وفي الأخرى ماء مالح،  ومشيا بعيدا ولما غالبهما العطش شرب من الماء العذب وأعطى رفيقه الماء المالح فلم يطفئ غلة عطشه ولم يتوقف عن الشرب ، فأصيب بالعمى ، فتركه الكاهن تائها في الهجير ورجع من حيث أتى.<o:p></o:p>

    ولما تم جلاء ابنه أرسل السلطان وزيره إلى الطين لكحل يعطيها الأمان ان هي سلمت نفسها وقصرها وإلا قادها ذليلة صاغرة ، فقالت له : قل له انه لا وقت لدي للمزاح، فاغتاظ السلطان لما سمع وركب غروره وزهوه وأرسل عصابة من جنده لإحضارها ، فاعترضهم عزي بن دادا وأهلكهم  بإشارة من يده، ونشبت الحرب ودارت رحاها بين الفريقين ودقت دفوفها وبدأ السلطان يفقد رجاله أمام بطش وقوة عزي بن دادا.<o:p></o:p>

    أما السي محمد فإنه بقي تائها لا يرى غير الظلام إلى ان سمع فجأة شجرة تسأل أختها عما تصلح له فقالت لها: إني أصلح لمداوات العمى، فليأخذ من لا يبصر بعض أوراقي ويقطرهما في عينيه فإنه يرتد بصيرا، فأرهف السمع جيدا إلى أن عثر على مصدره فاقتلع الأوراق وقطرهما في عينيه فاستعاد النظر، ووجد نفسه في مكان لا يعرفه، فمضى يسأل عن مملكة أبيه، ولما اقترب منها صادف احد الرعاة واشترى منه خروفا فذبحاه وشوياه وأكلا حتى شبعا، ثم أخذ بطنه ولبسه فوق رأسه فبدا وكأنه أقرعا لا شعر له، ودخل المدينة ووجد بها عجوز كانت قد فقدت ابنها في الحرب الدائرة، فسألها عن أحوال السلطان فقالت له : إنه يخسر كل يوم فوج من جنوده وتوالت عليه الهزائم ، وحدثته عن أمر ابنها وأنها بقيت وحيدة بعده لا عزاء لها ولا سلوان، فقال لها : سأصبح ابنك يا أماه أقضي حوائجك وأفك الوحدة عنك، ففرحت فرحا كبيرا، وكانت لها بقرة فأصبح يرعاها كل يوم وهو يعزف بنايه ويغني ، فسخر منه الناس وأصبحوا لا ينادونه إلا الأقرع ابن العجوز.<o:p></o:p>

    وذات يوم دخل على أمه وهو مشغول مهموم، فسألته عما به، فقال لها: إن أقراني يسخرون مني ومن بقرتي وإني أريد بيعها وشراء مهر أركب عليه، <o:p></o:p>

    - أبدا فإن هذه البقرة منها نأكل وهي رزقنا.<o:p></o:p>

    ثم استعطفها واستجداها إلى ان لانت له ، فباع تلك البقرة واشترى مهرا صغيرا، فكان كلما ركبه إلا وكان هدفا للسخرية اللاذعة ، وأصبح يقال عنه الأقرع ابن العجوز باع البقرة واشترى جحشا يا لها من تجارة بليدة، ويا له من غبي أحمق مغفل ، وفي إحدى الأيام قال لأمه : غدا سأذهب لأحارب في صفوف السلطان، فبدأت تبكي وخافت عليه ان يموت كما مات ابنها في تلك الحرب ، لكنه أصر على الذهاب ، وفي الغد كان، برأسه الأقرع ومهره الصغير، في ساحة الحرب ، فأبعدوه تطيرا منه، وقالت عنه الناس لم يبق لنا إلا ذلك الأقرع ابن العجوز، يَالَذُلِّ السلطان..لكنه انسل ودخل المعركة الدائرة فصال وجال وقهر عزي بن دادا وكفاه عن بقية الجنود فحقن دمائهم، وتمكن منه مرات عديدة ، ولما افترقا الجمعان أصبح حديث الأفواه و المجامع، و أُرْسِلَتِ الهدايا والأعطيات للعجوز، ثم عاد في اليوم الثاني والثالث إلى الحرب والنزال، حينها قال عزي بن دادا لسيدته: إن أحد الفرسان قد قهرني ولم أعد أطق قتاله، وما عدا سيدي لم أر أحدا مثله قط.<o:p></o:p>

    فقالت له: غدا سأخرج لنزاله وألقنه دروس الحرب والقتال، والطعن والنزال، فتنكرت بزي فارس وخرجت لساحة الوغى، فلما رآها عرفها فنازلها، متفاديا طعناتها الفتاكة، ونازلته إلى أخر النهار، واستمرا مدة ثلاثة أيام وهولا يفعل غير تجنب ضرباتها لأنه يعرفها ولا يريد ان يصيبها مكروه منه ولا من غيره، حتى كلت وملت فرفعها من فوق جواده ووضعها وراءه ، فعرفته ، وانطلقا للقصر، وكان آخر النهار، فأرسل في طلب أمه العجوز، ففرح الجميع باللقاء من جديد، وأمرت الطين لكحل مَرَدَتَهَا فحولوا ذلك القصر إلى بلاد بعيدة، ولم يبق منه إلا مكانه ، أما السلطان فلما استفاق في الصباح ، وهو عازم على مواصلة الحرب، فلم يجد لا قصرا ولا عجوزا ولا أقرعا، فأدرك غلطته وندم على فعلته وشنق وزيره الذي أملى عليه تلك الآراء الخبيثة.<o:p></o:p>

    هذا ما كان من أمرهم جميعا، أما أنا فخبيرتي مشات مع الواد، وأنا بقيت مع أولاد الأجواد، وأضرب لكم موعدا في حجاية جديدة إن شاء الله.  <o:p></o:p>

     

    <script type="text/javascript"> var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); </script> <script type="text/javascript"> var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._initData(); pageTracker._trackPageview(); </script>

  • Commentaires

    Aucun commentaire pour le moment

    Suivre le flux RSS des commentaires


    Ajouter un commentaire

    Nom / Pseudo :

    E-mail (facultatif) :

    Site Web (facultatif) :

    Commentaire :