همس الذكريات
برد المساء الناعم يغازل وجهي، و أنا أعتلي صهوة الربوة الجميلة، أمسح بعينيي الآفاق البعيدة و القريبة، وفي البيادر المجاورة تتطاير ذرات التبن محاكية حركة الريح، وحركة الفلاح الذي يرسلها بانتظام بديع، أما العم سليمان بقدميه الحافيتين، وجلبابه الرقيق الأبيض، وشكارته التي تتدلى على خاصرته فقد انتهى أو كاد من تصفية عرمة الحبوب واستراح يحتسى بعض كؤوس الشاي..ومن المراعي الخصبة الفسيحة ينبعث صوت أمينة ممزوج بشدو العصافير وهي تغني للقطيع.
كانت أمينة في مثل عمري ورفيقة صباي، لذلك كانت أمي غالبا ما تقول لي: حينما تكبر ستتزوجها.. لقد كبرت الآن يا أماه ! و كبرت أمينة أيضا ! وجاءها خطاب! و تزوجت وأصبح لها أبناء! وغيبها الزمن المر من مخيلتي و لم يترك غير صدى صوتها الطفولي حينما كانت تطلق العنان لحنجرتها وهي تتغنى بالخصب والجمال والبراءة..
لم تكن أمينة غير واحدة من الشحرورات اللائي كن يبهجن المراعي الفسيحة سواء بعذب شدوهن الذي تشرب أنخابه كل الآفاق، أو بجيئهن، وذهابهن، وغدوهن ، ورواحهن.
دفئ القطار يدغدغ كل مفاصلي، ويداعب وجهي الناعس، وهمس الذكريات يسبح بي في عالم من الشجون.. بدأت أشعة الشمس في الشحوب، وبدا قرصها الغارب أكثر احمرارا كلما اقتربت من التلال، وبدد الغروب الوشيك قيظ النهار، نزلت من على الربوة و اقتربت من أمينة ومن قطيعها، وإلى جانبهما كانت بقرتنا و عجلها الصغير يلتهمان الهشيم وبعض السنابل التي عافتها مناجل الحصادين، انغمسنا في عالم الطفولة والمرح ، ولعبنا لعبة " لقيوش" أو "مالة" وكانت معي أكثر لطفا و حنانا من المرات السابقة التي نكون فيها برفقة الآخرين، تمنيت لو استمرت هكذا، ودارت في مخيلتي أحلام طفولية مشربة بالنضج، وتغيرت صورتها أمام عيناي، وخيل إلي أني أكتشفها لأول مرة، ساعتئذ تمنيت لو توقف الزمن، لو توقف قرص الشمس عن الانحدار، لكن هيهات!!
بدأ رداء الظلام يلفنا رويدا، ويبسط سكينته على الحقول، إلا من نباح الكلاب و خشخشات بعض الزواحف التي أيقظتها للتو رطوبته، لقد حان وقت الرواح والافتراق، ركضت وراء بقرتنا ممسكا بذيلها الطويل، ومن حوالي العجل الصغير يقفز ويجرى لعبا، أما أمينة فكانت تمشي الهوينى وقطيعها من وراءها بانتظام ووداعة، وبين الفينة والأخرى كانت تحيطني بالتفاتة أو التفاتتين..
صوت مضيفة القطار يعلن محطة الوصول، سحبت جسدي المتهالك من فوق المنضدة، انفتحت أبواب العربة واندفعت إلى الخارج حيث بدأ يصفعني صباح العاصمة الصقيعي ويبدد آخر أطياف أمينة، وهي تتقدم أغنامها، من مخيلتي.
<script type="text/javascript">// <![CDATA[ var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); // ]]></script> <script type="text/javascript">// <![CDATA[ try { var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._trackPageview(); } catch(err) {} // ]]></script>