•  

     

     

    لم أجد يوما ، أبهى و أجمل من أرضي المعطاء، ولا أطيب ولا أعطر من رائحتها الزكية المنبعثة من أعماقها  حينما تغازلها قطرات المطر الأولى،  لست  بصحراء، ولا خراب ، إنما  الخراب في عقول يئست، وقلوب تخاذلت، ماذا نبغي منك أكثر من زرع وورد ورمان؟ ماذا نبغي؟   

    <script type="text/javascript"> var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); </script> <script type="text/javascript"> try { var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._trackPageview(); } catch(err) {}</script>

    votre commentaire
  •  

    شرَّاب الحليب

     

    يحكى أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر و الأوان رجل ذو سعة و مال، ولم يرزق بنسل أو ولد فحز ذلك في قلبه و اغتم غما شديدا، وخاف إن مات لا يرثه وارث، فينتهي بذلك أمره، ويندثر ذكره، ويذهب بثروته الذاهبون، فتألم وبكى، وتضرع لخالقه و شكا، وفاضت نيته وغلا في أمنيته، فطلب الله أن يرزقه ولد يأكل ولا يشبع، وإن أمرته لا يسمع، "وَكّْلِيهْ مَا يْشْبَعْ، و سَخّْرِيه مَا يَسْمَعْ" ففتحت السماء أبوابها لطلبه، ومن تلك الليلة حبلت زوجته، فذبح الذبائح ، وعزم كل غاد ورائح.

     وجاءت لحظة المخاض فرزق ولد كأنه البدر ليلة أربعة عشر، أضاء أرجاء قلبه و أركان بيته، لكن حاجة الطفل للغذاء كانت تزداد يوما عن يوم، حيث لم يعد ثدي أمه يكفيه، بل يزيد على ذلك حليب شاة أو شاتين، ثم السطل فالسطلين فيما بعد ذلك، لذلك أطلق عليه الناس "شرَّاب الحليب" و ما إن بلغ الفطام، وبدأ يأكل الطعام، حتى أصبحت لا تكفيه الدجاجة أو الدجاجتين، وهو يكبر وتكبر معه الرغبة في الأكل، ولما استوى طفلا بدؤوا يشوون له خروفا مع قصعة من الكسكس، ثم خروفان فثلاثة..كما أنه  أخذ يزداد تعنتا، وتجبرا، وغطرسة، ولما استوى عوده، و استقام شبابه، أصبح لا يكفيه جملا أو ثورا مشويا وعشر قصعات من المرق، أو الكسكس لكل وجبة وبدأت ترهبه الناس وتخافه، وشاع خبر تعنته في كل البلاد، واشتكى منه العباد، وخلال هذا العمر كله كان قد أتى على كل ثروة أبيه، وما بقي منها لن يصمد إلا بضعة شهور، فخاف الأب من الإفلاس، وضاق ذرعا بشكاوى الناس، فقال لولده :"أي بني  لقد نفذ الزاد، واشتكى من تعنتك العباد، ولست بقادر على تحمل أذى السلطان، ولا نكبات الزمان، فاسلك لنفسك مسلكا تسلكه، ونهجا تنتهجه.."

    فلما سمع "شرَّاب الحليب" من أبيه ما سمع، ودع أمه، وهام على وجهه يبغي أرضا يحلو له فيها مقامه، ويهنأ باله، فسار مسيرة يومين أو ثلاثة إلى أن أتى على أرض موحشة فاختار بها جبلا عاليا يراقب جميع المسالك والطرقات، وبنا به  مسكنه، وأقام هناك وهو لا يزداد إلا تجبرا وتعنتا ، يقطع الطريق، ويعترض سبل الناس زرافات و وحدانا، فكان كلما رأى مزارعا، أو متسوقا، أو قافلة  إلا و دوَّى بصوته كالرعد: " وَا هَاذُوك الدَّايْزينْ وَا حُلُّوا لْجَاماتْكُم وْ نُصْلوُا لْباساتْكُم وْ سِيرُوا فْحَالاتْكُم" فما يكون منهم إلا أن يتركوا ما لديهم من غال و رخيص، ومن حاول المقاومة لا ينفك أن يستسلم حينما يراه مقبلا نحوه  والغبار يتطاير من حواليه غير  آبِهٍ لما يعترضه من أشجار..

    فشاع خبره في الأمصار وذاع، وتقدم الخاص والعام بشكواه إلى السلطان، فبعث هذا الأخير بأعوانه لإحضاره وتأديبه، وما كادوا يقتربون من خلوته حتى  راعهم دوي صوته، فولوا هاربين، فبعث بآخرين و آخرين من بعدهم فكان مصيرهم كسابقيهم. وفي الأخير التجأ إلى أبويه مهددا ومتوعدا إن هما لن يتمكنا من ردع ابنهما، و إحضاره بين يديه (السلطان) فانطلقا يقطعان الفيافي و الفلوات إلى أن شارفا  على الجبل الذي يسكن فيه، فلما رآهما خاطبهما بعباراته المعهودة، فأما والده  فقد انقلب على عقبيه  بعدما ارتعدت مفاصله  لما سمع من ابنه، وأما أمه فقد دفعها الشوق الجياش، وعاطفة الأمومة  للقاء فلذة كبدها مهما كلفها من الأمر، و لما أشرفت عليه عرفها فهدأ غضبه، وسكن غيظه، وعانقها بحرارة وهدأ من روعها، وطمئنها، فحكت له ما جاءت من أجله وما كان من أمر السلطان.

    في الغد بعدما اعتنى بأمه أشد الاعتناء، واستراحت من عناء الطريق، أردفها وراءه، و انطلقا، هذا ما كان من أمرهما. أما ما كان من أمر السلطان فإنه لما عاد أعوانه مهزومين، أصبح يحسب لشراب الحليب ألف حساب، ويبحث عن وسيلة وحيلة للتخلص منه دون مواجهة أو نزال، فاستعان بكاهنين من كهنته الأول يسمى "طَوَّاعْ لجْبَال"ويعمل بسحره على شق الأرض، و الثاني "فتّال لَحْبَال" و كانا من أمكر و أدهى أهل زمانهما ، و أمرهما  أن يظهرا له ودا، ومجاملة، ولما وصل شراب لحليب قصر السلطان، كتم هذا الأخير ما أضمر عليه، و أظهر له البشاشة و الترحاب، و أنه ما طلبه إلا لإكرامه  وعزومته وضمه إلى حاشيته، وقدم له الكاهنين، فأعجب بظرفهما، وروح دعابتهما وهما يخفيان له عكس ما يبديان. ولما حضر الأكل قدمت الوجبات في آنية من فضة وذهب، و كانت وجبات عادية في كمها، الشيء الذي أغاض شراب لحليب وهو الذي يأكل الثور أو الجمل  في وجبة واحدة، فما عساه فاعل بفرخ أو فرخين من دجاج أو حمام..فأرعد وأبرق، وهجر مائدة السلطان، فتبعه الكاهنان  محاولان تهدئة غضبه ، وتسليته عما لحق به من إهانة ، وعزما على صحبته، وواعداه على عدم فرقته، وانطلق ثلاثتهم يبغيان أرضا أخرى إلى أن استقر بهم المقام بغابة كثيفة أشجارها، وجارية مياهها، و وافر صيدها، فعمل طواع الجبال بسحره على تهيئة المكان و تسويته .. وعمل فتال لحبال على إقامة خيمة كبيرة من شجر الدوم، واستقروا هناك، فكانوا في النهار يخلدون للراحة، وفي الليل يذهب شراب لحليب رفقة أحد الكاهنين للصيد، فيما يقوم الآخر بأعمال البيت من طهي، و تنظيف، وطحن الرحى.. واستمرا على تلك الحال مدة غير يسيرة من الزمن وهما يتحينان الفرصة للتخلص منه(شراب الحليب) و الإيقاع به، و إسقاطه في مقلب من مقالبهم. و في إحدى الليالي وبينما شراب لحليب ذاهب للصيد رفقة طواع لجبال، وبينما فتال لحبال كالعادة يقوم بالطهي، إذ سمع خشخشة أقدام كبيرة تقترب من الخيمة رويدا، ثم ما فتأت أن كشفت عن غولة عظيمة الخلقة، قبيحة المنظر، نتنة الرائحة، فبهت وصعق لرؤيتها برهة، ثم قالت له : هلا أعطيتني، قبس من نارك، فما ببيتي نار. فناولها  جذوة  مشتعلة  لكنها أطفأتها، وأطفأت معها كل النار و بقيا في الظلام، وقالت له : أنفخ  لتتأجج. فرد عليها: أنفخي أنت، و بعد مساومة طويلة على من ينفخ على النار، انتهى بالإذعان لأمرها، وانكب ينفخ، فوجدتها فرصة سانحة لأخذ كل ما طهاه من زاد  و ابتلعتها الأرض. ولما عاد  صديقاه في الصباح  لم يجدا شيئا يأكلانه و قد أنهكهما عناء الصيد، و أوحال الغابة و أدغالها، ولم يجرؤ على إخبارهم بما حصل خوفا من اتهامه بالمس و الجنون، و تذرع بأن غلبه النوم، وفي الليالي الموالية كانت تجيء الغولة كعادتها  و يحدث معها كما في المرة الأولى، وليس في الإعادة إفادة،

     ولما ضاق ذرعا بأمرها، قرر البوح بحقيقتها لصاحبيه، فحدثهما بقصته معها، وأنها هي التي تخطف كل ما يطهو..كما أن شراب لحليب طيلة أيام مجيئها لم يعد يأكل بالقدر الذي يأكله سابقا، إنما أصبح يأكل مثل رفيقيه، وقلت عجرفته وتعنته، والواقع أن تلك الغولة ولدت  يوم ولادته، فأصبحت تأكل من بطنه، وهو ما يفسر كمية ما كان يأكله،  فيشبع لشبعها، ويهيج لهياجها، لذلك حينما اختطفت ما اختطفته من زاد و أكلته،  لم تعد حاجته للطعام إلا لما يكفيه..

    فلما سمعا من فتال لحبال ما سمعا، قرر شراب الحليب أن يحل محله تلك الليلة، ولما جن الليل بدأ ينتظر مجيئها الفينة بعد الأخرى، ولم يغمض له جفن حتى بدا الصباح بنوره ولاح، لكنها جاءت دون أن يشعر بها، ولما اقتربت من الخيمة عرفته فولت مذعورة خوفا من بطشه. وفي الليلة الموالية لما تأكدت من غيابه جاءت كعادتها، وفعلتها بفتال لحبال مرة أخرى، مما أغاظ شراب لحليب فاستشاط غضبا، وتطاير الشرر من عينيه، وقرر أن يتنكر لها في ثياب صاحبه عساه يظفر بها. دخلت عليه دون أن تعرفه وقالت له كالعادة بأنها تريد قبس من نار.. ولما قال لها انفخي، عرفت صوته، وتيقنت منه فولت هاربة، لكنه تبعها للتو دون أن يظفر بها ، و ابتلعتها الأرض وكأن شيئا لم يكن، ولما عاد الكاهنين في الصباح حدثهما بأمرها، فدارت الفكرة في رأسيهما ووجداها وسيلة للتخلص منه، والعودة إلى الأوطان بعد فراق طويل، وفرصة سانحة لا تعوض، فقال له طواع لجبال: سأعمل بما لدي من حكمة وسحر على شق الأرض، وصديقي بما لديه من خبرة و إتقان على فتل حبال متينة ..

    وللتو أشعل البخور، وبدأ يتكلم بعبارات غير مفهومة، و أحيانا  يهدر مثل الجمل ، واستمر على تلك الحال ساعات طويلة من النهار، فيما انهمك صاحبه بفتل حبال محكمة الإتقان..وفجأة انشقت الأرض عن بئر عظيمة وعميقة ، ومظلمة ، فحزما شراب لحليب بتلك الحبال الطويلة، واهبطاه فيها ليتخلص من تلك الغولة هذا ما كان من أمره.

    أما ما كان من أمر الكاهنين فإنهما لما أنزلاه في الهوة، وضعا حجرا فوق الحبال لئلا تسقط، وانصرفا يبغيان أرضهما، سيقول قائل لماذا يعملان كل هذا، كان عليهما أن يعملا حبلا واهنا ولما يتدلى ينقطع به فيموت وينتهي أمره..لكن إن مات فمن سيسد جوع تلك الغولة التي ستعمل على ملاحقتهما أينما حلا وارتحلا، وإن هما لم يضعا حجرا لمنع الحبال من السقوط ، فإنها إن سقطت عليه سيكتشف أمرهما مما سيثنيه عن عزمه وربما تحالف معها..

    حينما وصل إلى القعر انبثق له عالم  من المغارات ولم يعد يدري أين يذهب ولا أين يتوجه، وبدأ يخبط خبط عشواء من مغارة لأخرى إلى أن وجدها، وبرفقتها سبع من بنات الملوك الأبكار الجميلات يخجل القمر من جمالهن، و كانت قد اختطفتهن من قصورهن ليكن وصيفات لها، ولما رأته قامت لمنازلته، فشب بينهما عراك شديد، وصراخ مروع ، ودارت بينهما جولات عديدة دون أن يظفر أحدهما بالآخر، ولما أوشك النهار على نهايته أصابها التعب والجوع و مالت كفته عليها فصرعها، فجاءته البنات يهنئنه بالنصر ويهنئن أنفسهن بالخلاص، وعاهدهن على أن لا يتركهن إلا عند أهلهن، ورجع يبحث عن الحبال ليخرج ومن معيته، لكنه ما إن كاد يتشبث بها حتى سقطت عليه، و انطوت عليه حيلة صاحبيه، فأيقن من هلاكه وهلاك البنات فاهتم واغتم لذلك، فلما رأينه هكذا قالت له إحداهن: لقد سمعت الغولة تقول يوما لنا، بأنه غير بعيد من هنا توجد ضاية من الماء، إذا عثرنا عليها وقلنا "أُرْرْ"(كلمة تقال للماعز إذا أردت سوقه) ثلاث مرات، فإن خرج لنا منها تيس أسود فعلينا وعلى دنيانا السلام، فلن نخرج من هنا  أبدا، وإذا طلع لنا تيس نصفه أبيض والنصف الآخر أسود، فسنتيه  مدة من الزمان ثم نجد بعدها ضاية أخرى، فإذا طلع لنا منها تيس أبيض ستنفتح لنا الأرض  ونرى النور ويكون خلاصنا.

    فانطلقوا يبحثون عن تلك الضاية أياما وشهورا، يمنون النفس ببصيص من أمل سرعان ما تمحوه كوابيس التيس الأسود، ولما وصلوا إليها قالوا بصوت واحد:" أُرْرثلاث مرات، وما هي إلا لحظات حتى سمعوا دوي فرقعة عظيمة تنبعث من العمق، فارتعدت فرائصهم،وانحبست أنفاسهم، و أطل برأسه الأسود تيس عظيم من وسط تلك العين، فأيقنوا من هلاكهم، و تبدد أملهم في النجاة، وسيقضون في جوف الأرض ما تبقي من أيامهم، لكن الإنسان بطبعه عجول وما خرج من التيس إلا نصفه أما نصفه الآخر فكان أبيضا، فلما رأوا ذلك تبدل اليأس بالرجاء، وتحول الظلام في وجوههم إلى الضياء، وواصلوا المسير وقد تجدد أملهم بالنجاة، إلى أن وصلوا لضاية أخرى، فانحبست أنفاسهم، وارتعدت مفاصلهم، فهذه هي المرة الأخيرة فإما تيس أبيض وخلاص وشيك، وإما أسود وهلاك بطيء في ظلمات الأرض بعيدا الأوطان..ولما قالوا" أوْرّْ" انبعث من العمق صوت كالسابق أنم عنه تيس لما خرج كان أبيضا كالثلج، بدد يأسهم، فتعانقوا، وهنئوا بعضهم البعض ببشارة الخلاص، وساروا أيام عديدة بعد ذلك، وفجأة تراءى لهم  نور شاحب صغير يزداد قوة ولمعانا  كلما مشوا نحوه، ولما وصلوا إليه، كانت مفاجأتهم كبيرة، وفرحتهم عظيمة، إذ بهم يروون سطح الأرض الأخضر المعشوشب، ويسمعون أزيز النحل وهو يلثم خدود الورد، ويستعذبون خيوط الشمس وهي تلف أجسادهم المتهالكة. الآن على شراب الحليب أن يوصل البنات إلى بلدانهن كما عاهدن على ذلك، فانطلقوا تخفضهم وهاد وترفعهم نجاد، وكل واحدة تسأل عن أرضها، ولما اقتربوا من مملكة إحداهن تنكرن بزي مطربات، وشراب الحليب شيخهن الذي يعزف على الكمان، ولحسن عزفهم، وغناءهم  دعاهم السلطان لقصره، فأكلوا وشربوا ولذوا وطربوا، وفي ختام السهرة  تقدمت واحدة من البنات، وبدأت تحكي للحضور قصة حياتها، وما وقع لها وجرى.. والملك مطرق يصغي، وفجأة بدأ يبكي إلى أن ابتلت لحيته بالدموع، وقال لها: لقد كانت لدي ابنة في مثل عمرك، وحسنك، وقصتك.. فلم تتمالك نفسها وقامت إليه وعانقته، وقالت له بأنها هي، وحكت له عن تلك الغولة، وعن شراب الحليب وما كان من أمره معهن، وليس في الإعادة إفادة، فأقام السلطان الحفلات مدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع عزم شراب لحليب علي الرحيل لإيصال بقية البنات إلى ممالك إبائهن، لكن بنت السلطان لم تطق فراقه ولا فراق بقية البنات، فقال له والدها  : تزوجها ستكون لك خادم خديمة، لا ثمن لها ولا قيمة. وأقام الملك حفل زفاف ابنته ثلاثة أيام أخرى، ولولا شوق البنات لأوطانهن لدامت الأفراح شهرا كاملا، ثم جهزهم بعد ذلك أفضل جهاز، وجهز كل بنت بما جهز به ابنته، وأرسل معهم بعض من جنده وعبيده، ودليل يدلهم على الطريق إلى المملكة الموالية، وشيعهم  حتى أبواب المدينة، هذا ما كان من أمره. أما ما كان من أمرهم فإنهم جدوا في المسير، وحدث مع الملك الثاني ما حدث مع الأول، والثالث فالرابع وهكذا ذواليك. وتزوج شراب لحليب من بنات الملوك السبعة، وانطلق يبغي أرضه،  ولما وصل عانق أبوه وأمه بعد غياب طويل، وهيأ الأب لابنه ثورا وجملا مشويين مع عشرة قصاع من المرق و الكسكس كالعادة، لكن شراب لحليب لما رأى ذلك ضحك حتى بدت نواجذه، وظن أبوه أنه يضحك من قلة الطعام، لكنه لم يأكل منذ لك كله غير لقمة أو لقمتين وسرعان ما رفع يده، وحدثهم بأمر الغولة و أنها هي التي كانت تأكل من بطنه..كما أنه سأل عن أمر صاحبيه فتال لحبال و طواع لجبال، فقيل له بأنهما منذ ذهابهما معه لم يعودا أبدا، ربما ماتا في الطريق، أما السلطان   فلم يمض على موته غير أيام  قلائل، ولم يترك من يرث حكمه وملكه،  والممالك المجاورة بدأت تتكالب عليهم وهم بحاجة  لسلطان صارم وحازم، ولما شاع خبر عودته  وهم يعرفون ما يتوفر عليه من قوة شكيمة، ولما سمعوا قصته، ومصاهرته مع ملوك سبعة ذوي صيت ذائع..التفت الناس حوله من كل الأمصار وتوجوه سلطانا عليهم، فحكم بينهم بالعدل، ورد طمع الطامعين، وقهر عناد المتعنتين وعاش مع أزواجه، حياة سعيدة إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، مخلي الدشور و معمر القبور..أما أنا فخبيرتي مشات مع الواد  وأنا بقيت معكم  يا أولاد الاجواد، و سأضرب لكم موعدا لن أخلفه إنشاء الله في حجاية جديدة.                  

    <script type="text/javascript">// <![CDATA[ var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); // ]]></script> <script type="text/javascript">// <![CDATA[ try { var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._trackPageview(); } catch(err) {} // ]]></script>


    votre commentaire
  •  

    شرَّاب الحليب

     

    يحكى أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر و الأوان رجل ذو سعة و مال، ولم يرزق بنسل أو ولد فحز ذلك في قلبه و اغتم غما شديدا، وخاف إن مات لا يرثه وارث، فينتهي بذلك أمره، ويندثر ذكره، ويذهب بثروته الذاهبون، فتألم وبكى، وتضرع لخالقه و شكا، وفاضت نيته وغلا في أمنيته، فطلب الله أن يرزقه ولد يأكل ولا يشبع، وإن أمرته لا يسمع، "وَكّْلِيهْ مَا يْشْبَعْ، و سَخّْرِيه مَا يَسْمَعْ" ففتحت السماء أبوابها لطلبه، ومن تلك الليلة حبلت زوجته، فذبح الذبائح ، وعزم كل غاد ورائح.

     وجاءت لحظة المخاض فرزق ولد كأنه البدر ليلة أربعة عشر، أضاء أرجاء قلبه و أركان بيته، لكن حاجة الطفل للغذاء كانت تزداد يوما عن يوم، حيث لم يعد ثدي أمه يكفيه، بل يزيد على ذلك حليب شاة أو شاتين، ثم السطل فالسطلين فيما بعد ذلك، لذلك أطلق عليه الناس "شرَّاب الحليب" و ما إن بلغ الفطام، وبدأ يأكل الطعام، حتى أصبحت لا تكفيه الدجاجة أو الدجاجتين، وهو يكبر وتكبر معه الرغبة في الأكل، ولما استوى طفلا بدؤوا يشوون له خروفا مع قصعة من الكسكس، ثم خروفان فثلاثة..كما أنه  أخذ يزداد تعنتا، وتجبرا، وغطرسة، ولما استوى عوده، و استقام شبابه، أصبح لا يكفيه جملا أو ثورا مشويا وعشر قصعات من المرق، أو الكسكس لكل وجبة وبدأت ترهبه الناس وتخافه، وشاع خبر تعنته في كل البلاد، واشتكى منه العباد، وخلال هذا العمر كله كان قد أتى على كل ثروة أبيه، وما بقي منها لن يصمد إلا بضعة شهور، فخاف الأب من الإفلاس، وضاق ذرعا بشكاوى الناس، فقال لولده :"أي بني  لقد نفذ الزاد، واشتكى من تعنتك العباد، ولست بقادر على تحمل أذى السلطان، ولا نكبات الزمان، فاسلك لنفسك مسلكا تسلكه، ونهجا تنتهجه.."

    فلما سمع "شرَّاب الحليب" من أبيه ما سمع، ودع أمه، وهام على وجهه يبغي أرضا يحلو له فيها مقامه، ويهنأ باله، فسار مسيرة يومين أو ثلاثة إلى أن أتى على أرض موحشة فاختار بها جبلا عاليا يراقب جميع المسالك والطرقات، وبنا به  مسكنه، وأقام هناك وهو لا يزداد إلا تجبرا وتعنتا ، يقطع الطريق، ويعترض سبل الناس زرافات و وحدانا، فكان كلما رأى مزارعا، أو متسوقا، أو قافلة  إلا و دوَّى بصوته كالرعد: " وَا هَاذُوك الدَّايْزينْ وَا حُلُّوا لْجَاماتْكُم وْ نُصْلوُا لْباساتْكُم وْ سِيرُوا فْحَالاتْكُم" فما يكون منهم إلا أن يتركوا ما لديهم من غال و رخيص، ومن حاول المقاومة لا ينفك أن يستسلم حينما يراه مقبلا نحوه  والغبار يتطاير من حواليه غير  آبِهٍ لما يعترضه من أشجار..

    فشاع خبره في الأمصار وذاع، وتقدم الخاص والعام بشكواه إلى السلطان، فبعث هذا الأخير بأعوانه لإحضاره وتأديبه، وما كادوا يقتربون من خلوته حتى  راعهم دوي صوته، فولوا هاربين، فبعث بآخرين و آخرين من بعدهم فكان مصيرهم كسابقيهم. وفي الأخير التجأ إلى أبويه مهددا ومتوعدا إن هما لن يتمكنا من ردع ابنهما، و إحضاره بين يديه (السلطان) فانطلقا يقطعان الفيافي و الفلوات إلى أن شارفا  على الجبل الذي يسكن فيه، فلما رآهما خاطبهما بعباراته المعهودة، فأما والده  فقد انقلب على عقبيه  بعدما ارتعدت مفاصله  لما سمع من ابنه، وأما أمه فقد دفعها الشوق الجياش، وعاطفة الأمومة  للقاء فلذة كبدها مهما كلفها من الأمر، و لما أشرفت عليه عرفها فهدأ غضبه، وسكن غيظه، وعانقها بحرارة وهدأ من روعها، وطمئنها، فحكت له ما جاءت من أجله وما كان من أمر السلطان.

    في الغد بعدما اعتنى بأمه أشد الاعتناء، واستراحت من عناء الطريق، أردفها وراءه، و انطلقا، هذا ما كان من أمرهما. أما ما كان من أمر السلطان فإنه لما عاد أعوانه مهزومين، أصبح يحسب لشراب الحليب ألف حساب، ويبحث عن وسيلة وحيلة للتخلص منه دون مواجهة أو نزال، فاستعان بكاهنين من كهنته الأول يسمى "طَوَّاعْ لجْبَال"ويعمل بسحره على شق الأرض، و الثاني "فتّال لَحْبَال" و كانا من أمكر و أدهى أهل زمانهما ، و أمرهما  أن يظهرا له ودا، ومجاملة، ولما وصل شراب لحليب قصر السلطان، كتم هذا الأخير ما أضمر عليه، و أظهر له البشاشة و الترحاب، و أنه ما طلبه إلا لإكرامه  وعزومته وضمه إلى حاشيته، وقدم له الكاهنين، فأعجب بظرفهما، وروح دعابتهما وهما يخفيان له عكس ما يبديان. ولما حضر الأكل قدمت الوجبات في آنية من فضة وذهب، و كانت وجبات عادية في كمها، الشيء الذي أغاض شراب لحليب وهو الذي يأكل الثور أو الجمل  في وجبة واحدة، فما عساه فاعل بفرخ أو فرخين من دجاج أو حمام..فأرعد وأبرق، وهجر مائدة السلطان، فتبعه الكاهنان  محاولان تهدئة غضبه ، وتسليته عما لحق به من إهانة ، وعزما على صحبته، وواعداه على عدم فرقته، وانطلق ثلاثتهم يبغيان أرضا أخرى إلى أن استقر بهم المقام بغابة كثيفة أشجارها، وجارية مياهها، و وافر صيدها، فعمل طواع الجبال بسحره على تهيئة المكان و تسويته .. وعمل فتال لحبال على إقامة خيمة كبيرة من شجر الدوم، واستقروا هناك، فكانوا في النهار يخلدون للراحة، وفي الليل يذهب شراب لحليب رفقة أحد الكاهنين للصيد، فيما يقوم الآخر بأعمال البيت من طهي، و تنظيف، وطحن الرحى.. واستمرا على تلك الحال مدة غير يسيرة من الزمن وهما يتحينان الفرصة للتخلص منه(شراب الحليب) و الإيقاع به، و إسقاطه في مقلب من مقالبهم. و في إحدى الليالي وبينما شراب لحليب ذاهب للصيد رفقة طواع لجبال، وبينما فتال لحبال كالعادة يقوم بالطهي، إذ سمع خشخشة أقدام كبيرة تقترب من الخيمة رويدا، ثم ما فتأت أن كشفت عن غولة عظيمة الخلقة، قبيحة المنظر، نتنة الرائحة، فبهت وصعق لرؤيتها برهة، ثم قالت له : هلا أعطيتني، قبس من نارك، فما ببيتي نار. فناولها  جذوة  مشتعلة  لكنها أطفأتها، وأطفأت معها كل النار و بقيا في الظلام، وقالت له : أنفخ  لتتأجج. فرد عليها: أنفخي أنت، و بعد مساومة طويلة على من ينفخ على النار، انتهى بالإذعان لأمرها، وانكب ينفخ، فوجدتها فرصة سانحة لأخذ كل ما طهاه من زاد  و ابتلعتها الأرض. ولما عاد  صديقاه في الصباح  لم يجدا شيئا يأكلانه و قد أنهكهما عناء الصيد، و أوحال الغابة و أدغالها، ولم يجرؤ على إخبارهم بما حصل خوفا من اتهامه بالمس و الجنون، و تذرع بأن غلبه النوم، وفي الليالي الموالية كانت تجيء الغولة كعادتها  و يحدث معها كما في المرة الأولى، وليس في الإعادة إفادة،

     ولما ضاق ذرعا بأمرها، قرر البوح بحقيقتها لصاحبيه، فحدثهما بقصته معها، وأنها هي التي تخطف كل ما يطهو..كما أن شراب لحليب طيلة أيام مجيئها لم يعد يأكل بالقدر الذي يأكله سابقا، إنما أصبح يأكل مثل رفيقيه، وقلت عجرفته وتعنته، والواقع أن تلك الغولة ولدت  يوم ولادته، فأصبحت تأكل من بطنه، وهو ما يفسر كمية ما كان يأكله،  فيشبع لشبعها، ويهيج لهياجها، لذلك حينما اختطفت ما اختطفته من زاد و أكلته،  لم تعد حاجته للطعام إلا لما يكفيه..

    فلما سمعا من فتال لحبال ما سمعا، قرر شراب الحليب أن يحل محله تلك الليلة، ولما جن الليل بدأ ينتظر مجيئها الفينة بعد الأخرى، ولم يغمض له جفن حتى بدا الصباح بنوره ولاح، لكنها جاءت دون أن يشعر بها، ولما اقتربت من الخيمة عرفته فولت مذعورة خوفا من بطشه. وفي الليلة الموالية لما تأكدت من غيابه جاءت كعادتها، وفعلتها بفتال لحبال مرة أخرى، مما أغاظ شراب لحليب فاستشاط غضبا، وتطاير الشرر من عينيه، وقرر أن يتنكر لها في ثياب صاحبه عساه يظفر بها. دخلت عليه دون أن تعرفه وقالت له كالعادة بأنها تريد قبس من نار.. ولما قال لها انفخي، عرفت صوته، وتيقنت منه فولت هاربة، لكنه تبعها للتو دون أن يظفر بها ، و ابتلعتها الأرض وكأن شيئا لم يكن، ولما عاد الكاهنين في الصباح حدثهما بأمرها، فدارت الفكرة في رأسيهما ووجداها وسيلة للتخلص منه، والعودة إلى الأوطان بعد فراق طويل، وفرصة سانحة لا تعوض، فقال له طواع لجبال: سأعمل بما لدي من حكمة وسحر على شق الأرض، وصديقي بما لديه من خبرة و إتقان على فتل حبال متينة ..

    وللتو أشعل البخور، وبدأ يتكلم بعبارات غير مفهومة، و أحيانا  يهدر مثل الجمل ، واستمر على تلك الحال ساعات طويلة من النهار، فيما انهمك صاحبه بفتل حبال محكمة الإتقان..وفجأة انشقت الأرض عن بئر عظيمة وعميقة ، ومظلمة ، فحزما شراب لحليب بتلك الحبال الطويلة، واهبطاه فيها ليتخلص من تلك الغولة هذا ما كان من أمره.

    أما ما كان من أمر الكاهنين فإنهما لما أنزلاه في الهوة، وضعا حجرا فوق الحبال لئلا تسقط، وانصرفا يبغيان أرضهما، سيقول قائل لماذا يعملان كل هذا، كان عليهما أن يعملا حبلا واهنا ولما يتدلى ينقطع به فيموت وينتهي أمره..لكن إن مات فمن سيسد جوع تلك الغولة التي ستعمل على ملاحقتهما أينما حلا وارتحلا، وإن هما لم يضعا حجرا لمنع الحبال من السقوط ، فإنها إن سقطت عليه سيكتشف أمرهما مما سيثنيه عن عزمه وربما تحالف معها..

    حينما وصل إلى القعر انبثق له عالم  من المغارات ولم يعد يدري أين يذهب ولا أين يتوجه، وبدأ يخبط خبط عشواء من مغارة لأخرى إلى أن وجدها، وبرفقتها سبع من بنات الملوك الأبكار الجميلات يخجل القمر من جمالهن، و كانت قد اختطفتهن من قصورهن ليكن وصيفات لها، ولما رأته قامت لمنازلته، فشب بينهما عراك شديد، وصراخ مروع ، ودارت بينهما جولات عديدة دون أن يظفر أحدهما بالآخر، ولما أوشك النهار على نهايته أصابها التعب والجوع و مالت كفته عليها فصرعها، فجاءته البنات يهنئنه بالنصر ويهنئن أنفسهن بالخلاص، وعاهدهن على أن لا يتركهن إلا عند أهلهن، ورجع يبحث عن الحبال ليخرج ومن معيته، لكنه ما إن كاد يتشبث بها حتى سقطت عليه، و انطوت عليه حيلة صاحبيه، فأيقن من هلاكه وهلاك البنات فاهتم واغتم لذلك، فلما رأينه هكذا قالت له إحداهن: لقد سمعت الغولة تقول يوما لنا، بأنه غير بعيد من هنا توجد ضاية من الماء، إذا عثرنا عليها وقلنا "أُرْرْ"(كلمة تقال للماعز إذا أردت سوقه) ثلاث مرات، فإن خرج لنا منها تيس أسود فعلينا وعلى دنيانا السلام، فلن نخرج من هنا  أبدا، وإذا طلع لنا تيس نصفه أبيض والنصف الآخر أسود، فسنتيه  مدة من الزمان ثم نجد بعدها ضاية أخرى، فإذا طلع لنا منها تيس أبيض ستنفتح لنا الأرض  ونرى النور ويكون خلاصنا.

    فانطلقوا يبحثون عن تلك الضاية أياما وشهورا، يمنون النفس ببصيص من أمل سرعان ما تمحوه كوابيس التيس الأسود، ولما وصلوا إليها قالوا بصوت واحد:" أُرْرثلاث مرات، وما هي إلا لحظات حتى سمعوا دوي فرقعة عظيمة تنبعث من العمق، فارتعدت فرائصهم،وانحبست أنفاسهم، و أطل برأسه الأسود تيس عظيم من وسط تلك العين، فأيقنوا من هلاكهم، و تبدد أملهم في النجاة، وسيقضون في جوف الأرض ما تبقي من أيامهم، لكن الإنسان بطبعه عجول وما خرج من التيس إلا نصفه أما نصفه الآخر فكان أبيضا، فلما رأوا ذلك تبدل اليأس بالرجاء، وتحول الظلام في وجوههم إلى الضياء، وواصلوا المسير وقد تجدد أملهم بالنجاة، إلى أن وصلوا لضاية أخرى، فانحبست أنفاسهم، وارتعدت مفاصلهم، فهذه هي المرة الأخيرة فإما تيس أبيض وخلاص وشيك، وإما أسود وهلاك بطيء في ظلمات الأرض بعيدا الأوطان..ولما قالوا" أوْرّْ" انبعث من العمق صوت كالسابق أنم عنه تيس لما خرج كان أبيضا كالثلج، بدد يأسهم، فتعانقوا، وهنئوا بعضهم البعض ببشارة الخلاص، وساروا أيام عديدة بعد ذلك، وفجأة تراءى لهم  نور شاحب صغير يزداد قوة ولمعانا  كلما مشوا نحوه، ولما وصلوا إليه، كانت مفاجأتهم كبيرة، وفرحتهم عظيمة، إذ بهم يروون سطح الأرض الأخضر المعشوشب، ويسمعون أزيز النحل وهو يلثم خدود الورد، ويستعذبون خيوط الشمس وهي تلف أجسادهم المتهالكة. الآن على شراب الحليب أن يوصل البنات إلى بلدانهن كما عاهدن على ذلك، فانطلقوا تخفضهم وهاد وترفعهم نجاد، وكل واحدة تسأل عن أرضها، ولما اقتربوا من مملكة إحداهن تنكرن بزي