• الافتتاحية

     

    بسم الله الرحمان الرحيم  في هذا الباب قد قررت جمع ما يمكن جمعه من بعض الحكايات (الحٌجَايات)  التي كانت تشكل محور سهرتنا ،وفيلم ليلتنا  فنسرح معها بخيالنا الواسع  وكل منا يلبسها المكان والزمان والشخصيات كما يتصورها هو ، حكايات لا تروى إلا في الليل، ومن رواها بالنهار فانه سيولد له أبناء قرع ، حكايات ضاعت هي الأخرى في زحمة النسيان، وقتلتها تقنيات العصر الحديث .<o:p></o:p>

    ربما من هذا المنبر قد تسترد بعضا من أنفاسها والله الموفق.

    <script type="text/javascript"> var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); </script> <script type="text/javascript"> var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._trackPageview(); </script>

    votre commentaire
  • شهيبة ذياب

    يحكى في قديم الزمان وسالف العصر والأوان انه كان في إحدى البلاد  رجل وكان له ولد نجيب يدعى"ذِيَابْ" ورث النجابة والدهاء من والده، وكان لذياب هذا أخوال يَدَّعُونَ الحكمة والفطنة ، وحدث يوم ان وقع خصام بين والده وأمه ،فقالت الأم لزوجها : أهلي وإخواني أحسن منك واذكى و أدهى..<o:p></o:p>

    فاغتاظ الأب وقال لها: سأعطيك لغزين اثنين فاذهبي يهما لأهلك  فان استطاعوا فكهما فسأعترف لك ولهم بالذكاء والنباهة وإلا فأنت طالق .<o:p></o:p>

    قالت: هات ما عندك.<o:p></o:p>

    قال:ما بال"أَحْلاَمْنَاشْ"(احلى من)، و"خَفّْمْنَاشْ"(اخف من)،و"حرمناش"(أحر من)؟<o:p></o:p>

    فانطلقت مسرعة إلى أهلها عن غير عادتها ،وحكت لهم ما وقع مع زوجها والغضب يخنقها  ، و أقسمت ان لا تكل ولا تشرب حتى يفسروا لها ما جاءت به، فقالو لها بان هذا من أسهل ما يكون وان أَحْلاَمْنَاشْ هو العسل و خَفّْمْنَاشْ هوهبوب الريح وحرمناش هو القطران ، وان زوجها من أغبى الناس حتى يطرح عليها ألغازا بهذه السذاجة..<o:p></o:p>

    فقفلت راجعة وهي فخورة بأهلها وبالرهان الذي ستربحه على زوجها،في هذا الوقت كان ذياب يرعى ابل أبيه فلما رأى أمه راجعة في عجلة من أمرها ناداها ليستفسر عما حدث ، فحكت له كل ما حدث مع والده  و أهلها وحدثته بأمر اللغزين والحل الذي أعطاه أخواله لهما، فضحك حتى بدت نواجذه  لسذاجة أخواله ، لكن أشفق عن أمه من ان تطلق  فقال لها يا أماه ان ما قاله لك أخوالي حماقات وسخافات  تؤكد حمقهم وسذاجتهم  ، وسأفسر لك اللغزين بشرط ان لا تقولي لأبي انك مررت بي ولا حتى رأيتني ، فأما أَحْلاَمْنَاشْ فهو لعب الاطفال في الفراش ، وأما حرمناش فهو حمل رفع الانعاش وأما خفمناش فهو مومو بين الأرماش  . فانطلقت فرحة لنجابة ابنها، ومغتاظة من بلادة إخوتها.<o:p></o:p>

    ولما وصلت عند زوجها فسرت له اللغزين كما قال لها ذياب فاغتاظ غيظا شديدا وعرف ان الحل لا يمكن ان يأتي إلا من ابنه ، فسألها هل مرت بذياب أثناء رجوعها لكنها نفت نفيا قاطعا .ولكي يعرف صدقها من كذبها دبر لها الحياة التالية ،حيث بدا يولول ويصرخ ، فسألته عما به فقال لها بان ذياب أغارت عليه اللصوص وقتلته وذهبت بالإبل،فبدأت بدورها تنتحب وتقول : وا لهفي على ابني لقد كنت للتو عنده ..ليتني بقيت معك  ..<o:p></o:p>

    فأدرك الأب من خلال ما قالته أنها مرت بذياب في طريق عودتها فقال لها :أما أنت فقد ربحت الرهان وأما ذياب فسيكون لي معه شان.<o:p></o:p>

    وفي المساء كانت الإبل في طريق عودتها وذياب يسوقها فناداه والده: يا مقدمة الجمال ، فلم يجب  ثم ناداه ثانية : يا وسط الجمال، فلم يجبه ، ثم ثالثة: يا مؤخرة الجمال، فلم يجب ، و أخيرا ناداه: يا صاحب الجمال ، فرد ذياب: حاضر يا أبي<o:p></o:p>

    فقال الأب :  لماذا لم تجب نداءاتي السابقة؟ <o:p></o:p>

    فرد ذياب: مقدمة الإبل رؤوسها ، وسطها أسنمتها ، أما مؤخرة الجمال فهي أذيالها  ، ولما ناديتني بصاحب الجمال فقد أجبتك فانا راعيها و صاحبها.<o:p></o:p>

    فقال له الأب: أنت تعرف كل هذه الأشياء، فاهجرني ولا تعود إلى هذه البلاد أبدا. هذا ما كان من أمر والده، أما ما كان من أمره فانه ذهب يخوي بلاد ويعمر أخرى ويقطع المسافات تلو المسافات،وفي طريقه التقى احد الرعاة فاشترى منه خروفا سمينا فذبحاه وشوياه واكلا حتى شبعا ، ثم اخذ بطن الخروف فنظفه ووضعه فوق رأسه حتى يبدو اقرعا وغبيا.<o:p></o:p>

    ثم واصل المسير إلى ان وصل لإحدى الأسواق ، فذهب إلى  موقف الرعاة عله يجد عملا واختلط معهم ، فجاء احد الرجال يبحث عن راع لإبله ،فراه أكثر بلادة وغباءا من الآخرين، ووجد فيه ضالته  وقال في نفسه  ان هذا الأقرع الغبي هو ما ابحث عنه لإبلي، فصحبه معه .وبينما هما يتجولان في السوق أعطاه نقودا وقال له اذهب فاشتري لنا ما نأكله، فذهب ذياب  و رجع بلا شيء وقال لسيده: يا سيدي ما وجدت لا غنما ولا ماعزا ولا بقرا . فقال الرجل في نفسه ان هذا الراعي من أغبى الناس، وانه لم يعرف في حياته شيئا غير الرعي  وقال له :اذهب فاشتري لنا خبزا، فذهب كالمرة الأولى ورجع يقول: يا سيدي لم أجد نعلا لا لي ولا لك. <o:p></o:p>

    ثم غادرا السوق ، وفي الطريق مرا بحصاد يحصد حقله فقال ذياب لسيده:" حَصَّادْ وَشْ منْ حَصَّادْ هذَا كُونْما أعْوَر"فقال له الرجل: يا هذا ما رأيت أبلد منك  أنت تراه يبصر وتقول انه أعمى.<o:p></o:p>

    ثم مرا بحصادين اثنين فقال:" حَصَّادْة وَشْ منْ حَصَّادْة هذوا كُونْما فيهم واحد ميت" ثم بعد ذلك مروا بثلاثة فقال:" حَصَّادْة وَشْ منْ حَصَّادْة هذَواْ وهذا هو الحصاد".<o:p></o:p>

    ومرا بأحد الدوايير وقد أجهدهما العطش  فاخرج لهما أهله ماءا ، فترامى ذياب إلى الفنجان وخطفه من يد سيده فشرب  ثم ناوله إياه، فعزا الرجل وقاحته(ذياب)إلى جهله وغباءه. ووصلا إلى دوار أخر فاخرج لهم أهله لبنا  فأعطى الرجل الفنجان لذياب لئلا يخطفه منه كما حدث في المرة الأولى ، لكنه هذه المرة قال له اشرب يا سيدي أنت الأول .<o:p></o:p>

    وبعد ذلك وصلا إلى دوار كثيرة إبله وأغنامه.. فقال:" دَوَّارْ وَشْ منْ دَوَّارْ هذَا كونْمَا فَقِير"<o:p></o:p>

    فقال له سيده: يا هذا أنت ترى خيرهم عميم وتقول لي لنهم فقراء؟ ثم واصلا المسير إلى ان مرا بدوار أخر كثيرة جياده وخيوله ولا غنم به ولا ماعز ولا ابل ولا بقر..فقال ذياب:" دَوَّارْ وَشْ منْ دَوَّارْ هذا خيرهم كثير ومالهم وفير".<o:p></o:p>

    وكان لسيد ذياب ابنة ذاع صيتها في البلاد لحكمتها ودهاءها ، وكانت تمتحن كل من تقدم لخطبتها وحتى الآن لم يفلح احد في اجتياز امتحانها ، ولا شك ان ذياب كان قد سمع عنها ، ولما اشرفا على الدوار الذي يسكن به سيده قال:" دَوَّارْ وَشْ منْ دَوَّارْ هذَا كونْمَا فيه فايجة" وكان لابنة سيده فلجة بين أسنانها.<o:p></o:p>

    ولما وصلا دخل الأب على ابنته وحدثها بأمر ذياب وبلادته وغباءه وحكى لها كلما وقع بينهما من أوله إلى أخره ،فقالت له:يا أبي ان ما صدر منه ليس غباءا وإنما حكمة ودهاءا ،فأما قرع رأسه فما هو إلا بطن خروف،وأما البقر و الماعز والغنم فهو يقصد انه لم يجد تمرا ولا زبيبا ولا حمصا، وأما أمر النعلين فهو يقصد انه لم يجد خبزا ،وأما سبقه لشرب الماء فقد شرب الصافي العذب وترك لك الحثالة، وأما تقديمك في شرب اللبن فقد شربت الجاري منه وتركت له ما خثر منه وهو لبه وجوهره، وأما الحصاد الواحد فلو وقع في عينه شيء فمن سيساعده على إزالته؟ وأما الاثنين فلو شب خصام بينهما ربما قتل احدهما الأخر، وأما أمر الحصادين الثلاثة  فلو حدث طارئ بين اثنين هناك ثالث يمكن ان يتدخل بينهما ولذلك قال هذا هو خير الحصاد ،واما الدوار الفقير فهو يقصد انه دوار كثير ماله ولكن لا خيل له ولو تمت الاغارة عليه لن يبقى عنده شيء ،واما الدوار الغني فبكثرة خيوله يمكن ان يغير على دوايير اخرى ويملك مالها.

    وقال الأب: ما بال الفايجة التي قال عنها  في دوارنا ، فسكتت عنه ولم ترد عليه شيئا.<o:p></o:p>

    واستمرت الأيام في دورانها  ، و مات سيد ذياب وورثته من بعده ابنته الوحيدة ،واستمر ذياب في خدمتها ؛ يرعيا بلها ويتولى أمرها ، وهي لا تجهل ذكاءه وحكمته .<o:p></o:p>

    وفي احد الأيام تقدم لخطبتها احد رجال الدوار ،وكعادتها دبرت حيلة لامتحانه من جهة  والتأكد من دهاء ذياب من جهة أخرى فأمرت خدمها بتهيئي كسكسا للخطاب فوضعوا اللحم هو الأول في قصعة العود ثم غطوه بكسكس القمح و أخيرا وضعوا قشرة غليظة من كسكس الشعير  ،ولما قدم الأكل للضيوف كان الخدم يقولون:"مرحبا بكم يا أسيادنا ڮَصْعتْنَا عُودْ وْ فِي وَسطْهَا ڮْعُودْ". فأكلوا حتى شبعوا من كسكس الشعير  ولم يفطنوا للمكيدة ، أما ذياب فقد أدرك دهاء سيدته فنبش وسط القصعة حتى أدرك اللحم والشحم فأكل ما لذ وطاب ، وزاد من غيظ الضيوف وحنقهم عليه .وبعد ذلك أمرت سيدته بصرف خطابها و ردهم عنها ردا جميلا وازداد إعجابها بذكائه.<o:p></o:p>

    ومر زمن قريب  وعزم ذياب على الزواج من سيدته ،فأرسل في طلب يدها وكعادتها حاولت امتحان دهاءه فأرسلت إليه بحجرة صماء وقالت له اجعل منها مغزلا لغزل الصوف ، فكان جوابه ان جمع حفنة رمل وأرسل بها  إليها وطلب منها ان تجعل منها غزيلا وصوفا..ونجح في امتحانه وتزوجها على سنة الله ورسوله وأصبح مالها ماله.<o:p></o:p>

    وبينما ذياب يرعى إبله ذات يوم إذ مر به ركب من الناس ومعهم مهرة صغيرة وضعيفة تتبعهم ، وبخبرته وذكاءه تفرس فيها النجابة والقوة ،فساومهم فيها فقالوا له ساخرين منها : إنها تساوي ستين جملا.فاشتراها منهم بما قالوا فعدوا 60 من إبله وساقوها معهم وأعطوه المهرة  ، فلما رأت بقية الإبل وكانوا 6جمال الستين  ذاهبة تبعوهم ، فنادى الركب ذياب ان رد جمالك الستة  فقال لهم : عدوا الستة من الستين . فضموهم إليهم وساروا بالكل ، هذا ما كان من أمر الركب .<o:p></o:p>

    أما ما كان من أمر المهرة الصغيرة فقد سماها ذياب " شْهَيْبَة" وأولاها العناية والاهتمام، وجعل معها ثلاثة خرفان يعلفون ما تعلف  ولما مرت مدة أربعة اشهر ذبح الخروف الأول ليغرف من خلاله هل العلف موافق أم لا .. ومضت أربعة اشهر أخرى فذبح الثاني فوجد نموه اكتمل ولكن عظامه ما زالت رطبة وهشة ، وأخيرا ذبح الثالث وقد اكتمل نضجه واستويت عظامه ، وبذلك فان شهيبة اكتملت وأصبحت فرسا .وكانت كما تنبأ فيها تتميز بقوتها وسرعتها الفائقة حتى ان الكل حسده عليها وتمنوا قتلها.<o:p></o:p>

    وحدث ان أصاب البلاد جفاف وقحط شديدين ،فضاقت بالناس الضوائق،وأصبحت الأرض جدباء إلا من بعض النباتات الشوكية ..وبينما ذياب يرعى إبله مر به سرب من الحمام ،فاصطاد منه واحدة ولما فتح معدتها وجد ها خضراء من الداخل  مما أكلته من نبات  وأدرك ان السرب جاء من بلاد لا جفاف فيها ، وفي الغد أسرج شهيبة فلما مرت به الحمائم تبعها، هي تطير في السماء وشهيبة تطير به على الأرض ، إلى ان وصل لبلاد معشوشبة مياهها جارية وخيراتها وافرة <o:p></o:p>

    و أزهارها يانعة ، فعزم على الرحيل إليها.<o:p></o:p>

    وفي الصباح الباكر حملوا أمتعتهم وساقوا ماشيتهم وانسلوا دون ان يشعر بهم أحدا قاصدين تلك البلاد البعيدة المعطاء.<o:p></o:p>

    ولما وصلوا نصبوا خيامهم وطاب لهم المقام بضعة أيام..إلى ان بعث في طلبهم سلطان تلك البلاد ليستفسر عن أمرهم ومَن من القوم هم. ولما حضرا أمام مجلس السلطان تقدم ذياب وقال :" حَقّْ في اللّه عليك يا سلطان أَمِّنْ علي و نقول لك"<o:p></o:p>

    فقال له السلطان:" عَاطِيكْ الأمَان اللي فيه ستة وستين أمان" ،ثم طلب الأمان مرة ثانية وثالثة والسلطان يجيبه إليه، ثم قال:"يا سلطان الزمان أنا اسمي ذياب من بلاد بعيدة وهذه أختي مات عنا أبونا فطمع القوم فينا وفي مالنا فجئناك طالبين أمنك وحمايتك وجوارك ".<o:p></o:p>

    فقال له السلطان: لقد نزلتم سهلا ووجدتم أهلا وعليكم الأمان..<o:p></o:p>

    ولما خرجا من القصر سألته زوجته لماذا قال الذي قاله، فرد عليها: لو قلت له إني زوجك لقتلني وتزوجك لكنني فضلت ان أقول له انك أختي حتى نجد مخرجا نخرج منه ، وان كان حدسي صحيحا في الغد سيرسل في طلبك .<o:p></o:p>

    وفي الصباح أرسل السلطان وزيره مع بعض الهدايا إلى ذياب ،وقال له:ان مولاي السلطان يشرفك و يتكرم عليك ويطلب مصاهرتك ،وبطلب يد أختك. فاصطنع الفرح والسرور وأجاب الوزير إلى ما جاءه إليه.<o:p></o:p>

    وهكذا بدا السلطان التهيأ للزواج  وأرسل جواريه لصحبة عروسه المقبلة إلى القصر حتى تتعود على الحياة المترفة للقصور، أما ذياب فقد بقي مع إبله و شهيبة .<o:p></o:p>

    ومرت أيام وأيام وزوجة ذياب في قصر السلطان لا تخرج منه عليها عسس دائمون ،لأنها حديثة العهد بالبلاد ، في انتظار ان يتزوجها السلطان . وحدث ان خرج يوما هذا الأخير في رحلة الصيد ،فقالت لأحد العسس إنها مشتاقة لرؤية أخيها وبدأت بالبكاء والنحيب فأشفق منها وقال لها:سأسمح لك بذلك لكن بشرط  ان تقطعي وعدا للقصر بان تعودي إليه قبل سقوط الظلام ، فوعدته بذلك وغادرت القصر بضعة أمتار ثم رجعت متظاهرة بنسيانها بعض الحوائج  وقالت:"لقد وفيت لك بوعدي  أيها القصر ، لقد عدت إليك كما قلت قبل الظلام. ثم انصرفت إلى غير رجعة.ولم وصلت عند ذياب قالت له : تهيا للرحيل، ولن نزيد ليلة في هذه البلاد. وكذلك كان.<o:p></o:p>

    ولما عاد السلطان من رحلة الصيد لم يجد أحدا فجهز رجاله للحاق بهم لكن هيهات فان شهيبة في ذلك الوقت كانت قد قطعت بهم البراري والفلوات ، هذا ما كان من أمر السلطان .<o:p></o:p>

    أما ما كان من أمر ذياب و زوجته فإنهما لما اشرفا على بلادهما  استقبلهما أهلهما بالحرب لأنهم يحسدونهما على شهيبة من جهة ومن جهة أخرى على رفض زوجته للخطاب الذين كانوا يتقدمون لخطبتها  ..فسالت بينهما الرماح وأصاب احدها شهيبة فماتت بعد بضعة أيام وحزن ذياب عليها حزن شديدا، وهدأت الحرب وعاد السلام لكنه لم يرد ان يعلن موت شهيبة  فعمل على  إيقافها بأربعة أعمدة وربط في ذيلها فارين ، جعل في فمها سلة العلف "العَلافة" وكأنها تأكل ، وحينما يراها الناس من بعيد يتحرك ذيلها بحركة الفئران يحسبونها حية .لكن الشكوك بدأت تحوم لان ذياب لم يعد يركبها ، ولكشف سرها  أرسلوا رجلا متنكرا في صفة سائل يسعى فاقترب من شهيبة ورأى الأعمدة الأربع، فعاد إلى قومه يقول :  رَاهْ مُوَقَّف شْهَيْبَة على لَعْمَدْ.فسارت مثلا يضرب إلى الآن فيقال ان فلان مُوَقَّف شْهَيْبَة على لَعْمَدْ إذا كان به مرض أو تعب .. لكنه لا يستسلم للضعف والوهن .<o:p></o:p>

    هذا ما كان من أمرهم جميعا أما أنا فَخُبَّيْرتِي مْشاتْ مْع الوَادْ الوَادْ وأَنَا ڮْلَستْ مْعَ أُولادْ الأَجْوَادْ.<o:p></o:p>

     

    <script type="text/javascript"> var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); </script><script type="text/javascript"> var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._trackPageview(); </script>

    votre commentaire
  • امْحَمَّدْ الهَمّْ

    يحكى انه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل كان له ولد تعيس وشقي  يدعى امحمد ، ولكثرة تعاسته وشقائه سماه الناس" امحمد الهم " . وفي احد الأيام وقع بينه وبيه أبيه خصام شديد فحمل أمتعته وساق قطعانه وعزم على هجران الدوار إلى بلاد أخرى، وفي طريقه وجد جروة صغيرة ضعيفة مرمية على قارعة الطريق تكاد تهلك جوعا وعطشا ، فأشفق منها وأطعمها وسقاها ووضعها في أحماله وواصل المسير.

    وبعد ساعة أو ساعتين من ان السير حاول تفقدها ليرى هل ماتت أم ما زالت حية، فوجدها بصحة جيدة وقدت استعادت قوتها ،وفاجئه حجمها الذي بدا يكبر بسرعة ..ثم أطعمها ثانية  وواصل السير.

    وبعد طول مسافة بدا الجمل الذي يحمل تلك الجروة الصغيرة في التعثر وتثاقلت خطاه ،وتخلف عن القطيع ..فحاول امحمد الهم ان يرى ما به ،ففك عنه أحماله وطرحها أرضا وإذا بالجروة الصغيرة تنتفض من وسط الأحمال وقد أصبحت غولة عظيمة أنيابها بارزة ورائحتها نتنة ومقرفة، وكانت هي سبب تعثر خطى الجمل ، وقالت لمْحَمَّدْ الهم : يا امحمد الهم ألان حضرت ساعتك   لقد أنهكني الجوع ، ومنذ عهد طويل لم تنفع حيلتي هذه في الإيقاع بمغفل مثلك . أما امحمد الهم فقد امتقع لونه وارتعدت مفاصله ، وندم على هجر أباه ودواره وعلى حمله تلك المصيبة ،لكن الوقت الآن ليس للندم بل عليه ان يدبر أمرا ينجيه أو يربحه بعضا من الوقت  ، فقال لها:أما أنا فقد أنهكني السفر وبرزت عظامي، فأنت والغنم، فاتت على كل القطيع ولم تترك منه حملا واحدا، فجاءته، فقال لها: أنت والأبقار. فاتت على قطيع الأبقار ، ثم الماعز ثم الإبل..

    ولم تترك له شيئا يدب غيره  فقالت له :لقد حان دورك وستكون خير ختام لهذه الوليمة ، قبل ان أعود جروة صغيرة  كما كنت بانتظار مغفل أخر مثلك.

    فنظر يمنة ويسرة ، ورفع بصره إلى السماء وطلب الله سبحانه وتعالى ان  يجد له مخرجا من هذه المصيبة، وبينما هو على حاله تلك مسح الأفاق بعينيه فرأى جبالا بعيدة و بها أحجارا بيضاء  فقال لمامّا غولة: انظري إلى تلك الجبال ، كيف يعقل ان تعودي جروة صغيرة وضعيفة قبل ان تنعمي بما بها من أغنام ، (وأراها الأحجار البيضاء) اذهبي إليها أولا وستجدينني انتظرك هنا.

    وذهبت إلى تلك الجبال البعيدة وانطوت عليها حيلته، ولما وصلت لم تجد غير أحجار بيضاء صماء فاستشاطت غيظا عليه ،وأقسمت ان لا تتركنه أبدا حتى يدخل معدتها ، ثم قفلت راجعة من حيث أتت.

    وفي ذلك الوقت كله تسلق امحمد الهم شجرة عالية ووضع فوقها سلهامه،  و رجع عند والده ، هذا ما كان من أمره.

    أما مامّا فقد رجعت والشرر يتطاير من عينيها ، ولما رأته فوق تلك الشجرة العالية تهددت وتوعدت وحاولت ان تصعد إليه لكن جسدها الكبير الثقيل كان يمنعها من ذلك ، فقلعت الشجرة من جذورها فسقط السلهام خاويا إلا من بعض القش وأوراق الشجر فازداد حنقها وسخطها وبدأت بتمزيقه إربا إربا ، وأخذت منه قطعة  تهتدي برائحتها إلى امحمد الهم ،واقتفت بذلك أثار رائحته إلى ان وجدته  ، ولما شارفت على الدوار تحولت إلى فتاة جميلة ذات حسن وجمال وكأنها البدر ليلة أربعة عشر، فاجتمع عليها شبان الدوار بما فيهم امحمد الهم (لم يعرف أنها هي مامّا غولة) كل يرجو ودها ويريدها لنفسه زوجة وخليلة ، فقالت لهم بتعفف ولباقة: يا معشر الشباب لقد تساويتم في الحسن جميعا ولن أستطيع ان اختار هذا دون هذا والآن حتى أرضي نفسي وأرضيكم سأضع لكم رهانا ومن ربحه سيكون عريسي وأكون له عروسا :سأجلس بعيدة منكم بضعة أمتار ومن أفلح في القفز من فوقي دون ان يلمس شعرة من راسي فقد ربح  .

    فتراضوا بشرطها فتتابعوا الواحد تلو الأخر دون ان ينجح احد في كسب الرهان ، حيث أنها كانت تعلو كلما حاول احد ان يظفر بها ، إلى ان وصل دور من تنتظره (امحمد الهم) فانحدرت حتى التصقت بالأرض وربح الرهان ، ففرح فرحا شديدا بعروسه الجميلة الحسناء،وتزوجها على سنة الله ورسوله،وأنجبت له طفلة جميلة، دون ان يعرف أنها غولة ، أما هي فأنها كانت تتحين الفرص للإيقاع به.

    وكانت النساء في الدوار تعملن على إدارة رِحِيِّهن ليلا لطحن الحبوب لتوفير مؤونة الغد ، وكانت الغولة تستغل هذه الفرصة ـ حيث ينام الكل على هدير الرحي ـ فتترك رحاها وتذهب إلى الزريبة لتفترس خروفا أو خروفين ، وفي الصباح بدت آثار الدم باقية في الزريبة فضن والد امحمد الهم ان الذئب هو الذي  فعل الفعلة تلك  ، فقرر ان يحرس أغنامه في الليلة المقبلة ، أما الغولة فبقيت نائمة حتى منتصف النهار، ولما جن الليل  تستر الوالد بسلهامه واندس وسط القطيع ، فجاءت كعادتها بعدما أدارت رحاها قليلا ورأته وسط الخرفان فظنت انه خروف سمين كبير فتحولت من فتاة حسناء إلى غولة بشعة الخلقة،نتنة الرائحة أمام مرأى من عينيه ومسمع من أذنيه،وحاولت الانقضاض عليه  لكنه سرعان ما اخرج من تحته هراوة فعرفت انه هو وفرت مذعورة وكانت تخاف منه خوفا شديدا  .

    وفي الصباح حكى الأب لابنه هول ما رأى ، وشاع خبرها في الدوار وذاع ،غير ان محمد الهم كان تحت وطأة حسنها وجمالها ،فظن ان ما قيل ويقال عنها ما هو إلا من تدبير الحساد ، وكيف لا تُحْسَد وهي من أجمل النساء ، وكيف لا يُحْسَدَ وقد تزوج  امرأة لم يستطع ان يظفر بمثلها غيره من شبان الدوار،بل كيف يمكن لحسناء جميلة أسنانها مثل الدر  ان تفترس الخرفان والماعز..

    ورحل الدوار إلى بلاد أخرى ليأمن شرها ، بما في ذلك أبوه، بعدما حاولوا جهد إمكانهم معه بالنصح والإرشاد، أما هو فانه ظن في نفسه  ان ذلك من تدبير الحساد وبقي مع زوجته ، وقطيعه في تلك الأرض. هذا ما كان من أمر دواره و والده.

    أما ماما غولة  فبعد رحيل الدوار فرغ لها المكان وصفا لها الجو بعد انتظار طويل ، وعادت إلى صفة الغولة ودخلت على امحمد الهم ، فلما رآها كذلك أدرك مدى غلطته ،وندم على تركه لذويه مرة ثانية ، ولكن الندم لا ينفع في مثل هذه الظروف . فقالت له : لقد استنفذت كل حيلك يا امحمد الهم ، و الآن فأنت لا محالة ستدخل معدتي .

    فاتت على القطيع كله ، وجاءت ساعته فقالت له ذات صباح : يا امحمد  سأذهب لأسقي الماء من الساقية وساترك لك ابنتي   فان عدت ووجدتها تبكي افترستك وان وجدتها ساكتة افترستك . فأطرق يبكي على نفسه وعلى الشؤم الذي حل به فبكى وتحسر، وتضرع إلى الله واستغفر..وفجأة جاءه طائران مثل الغرابين فقالا له :مالك يا محمد تبكي وتنتحب و ما الوقت الآن للبكاء، فنحن مبعوثان من ملك جن هذه المنطقة وهو ملك عادل وقد رأى ما فعلته معك تلك الغولة من جور فبعث بنا إليك لمساعدتك عليها ، قم فاحفر حفرة كبيرة واجمع الحطب و اضر مالنا فيه وسط تلك الحفرة...أما نحن فسنعمل على إضاعة وقتها حتى يتسنى لك فعل ذلك كله.  وذهبا إلى الساقية وبدءا في نقر ماما غولة تحت إبطيها فتستسلم للضحك أو في انفها فتعطس عطسا شديدا وترمي ما بشدقيها من ماء .

    أما امحمد فقد فعل ما قاله له الطائران وتوهج الجمر في الحفرة ، وغطاها بزربية كبيرة واصطاد عددا كبيرا من الأرانب والحجل  ووضعه فوقها . ولما عادت الغولة وجدت ابنتها نائمة في دعة وأمان فقالت له : يا امحمد ان ابتني نائمة  ولا تبكي سأفترسك الآن ولا حيلة لديك. فرد عليها : لقد استغليت فرصة نومها  فاصطدت لك بعض الأرانب والحجل إنها مطروحة فوق تلك الزربية  فدونك و إياهم وبعد ذلك سأكون طبقا شهيا  لك. عرفت إنها حيلة منه لكن معدتها لم تقاوم الرغبة الجامحة الى تلك الأرانب وأفراخ الحجل، فارتمت عليها وسقطت في الهاوية، وبذلك تخلص منها إلى الأبد ، وحمل ابنته فوق قفاه  وهجر تلك البلاد يبحث عن دوار أبيه هذا ما كان من أمره أما أنا فسألقاكم ان شاء الله  في حكاية أخرى، وخُبَّيْرتِي مْشاتْ مْع الوَادْ الوَادْ وأَنَا ڮْلَستْ مْعَ أُولادْ الأَجْوَادْ.          

     

    <script type="text/javascript"></script> <script type="text/javascript"></script>

    <script type="text/javascript"></script> <script type="text/javascript"></script>


    votre commentaire
  •  

    هَــيْـنَـة

    كان في قديم الزمان وسالف العصر و الأوان فتاة صغيرة تدعى هينة كانت تمضي وقتها، كبقية بنات الدوار، في رعي الإبل ومساعدة أمها في أشغال البيت.. وذات يوم خرجت مع البنات للحطب من الغابة ، وبينما هي تحتطب إذ عثرت على مغزل ذهبي لماع  فخبأته بإحكام وسط حزمتها لئلا تراه صويحباتها . ولما انتهين من الحطب ومال ميزان النهار نحو الغروب حزمت كل واحدة حزمتها وهممن بالرواح إلا هينة فأنها كلما أعصبت حزمتها إلا وتفككت فتشتت أرضا، وانصرفن وتركنها بعدما ضقن ذرعا بها وبحزمتها ،ولما أرخى الليل سدوله على الغابة تمثل لها ذلك المغزل الذهبي غولا عظيما ، فانصعقت وبدأت بالصراخ والبكاء  ، فقال لها: إذا أردت ان تعيشي بسلام فقولي لامك ان لا تملح لها سمنا البتة ، أما إذا حدث وملحت السمن فاني سأبرق وأرعد وأخطفك . تم تركها وانصرف ولم يبق له اثر. وكانت النساء تعملن على تمليح السمن ثم تضعنه في جرار خزفية ويدفنه في التراب ولا يأكل إلا بعد مرور الحول عليه.<o:p></o:p>

    ولما وصلت هينة إلى الدوار حكت لامها كل ما جرى لها ، فدأبت على عدم تمليح السمن ، ومرت أعوام وأعوام وهينة تشب وتترعرع إلى ان أصبحت شابة ويافعة وكانت ذات حسن وجمال ، وتقدم لخطبتها ابن عمها يوسف وكان فتىً وسيما واقسم ان يمهرها مائة ناقة فرحل ليجمع مهر ابنة عمه ،هذا ما كان من أمره.<o:p></o:p>

    أما ما كان من أمر هينة فأنها بقيت في الدوار على عادتها ترعى ابل أبيها وتساعد أمها كغيرها من بنات الدوار.وفي إحدى الليالي قالت أم هينة في نفسها إلى متى ونحن محرومون من السمن الحائل(مر عليه الحول) المملح وربما ما قالته هينة ما هو إلا خيال وما أوسع خيال الصغار ، فوضعت قصعة كبيرة من السمن وبدأت بالتمليح ، ولما رأتها هينة حزنت حزنا شديدا وقالت: غدرت يا أماه وان الغول لا محالة آت الليلة .وما ان أتمت كلامها  حتى وقف قرب ركائز الخيمة له هدير كهدير الرعد وقال:"  هَيْنَة مُدِّي المُڮْبَاصْ" (المكباص وهو جذوة النار ، أو عود الحطب الذي به نار وكانت الناس في القدم تستضيء به)فقالت: تمده لك أمي؟<o:p></o:p>

    -يُومِيكْ و يُمِيهَا،هَيْنَة مُدِّي المُڮْبَاصْ<o:p></o:p>

    -تمده لك خالتي؟<o:p></o:p>

    -يخليك ويخليها، هَيْنَة مُدِّي المُڮْبَاصْ<o:p></o:p>

    - تمده لك عمتي؟<o:p></o:p>

    -يعميك ويعميها،هَيْنَة مُدِّي المُڮْبَاصْ <o:p></o:p>

    وفي ذلك الوقت عمدوا إلى ربط الخادم بالأوتاد و السلاسل  فمدت المُڮْبَاصْ إلى الغول فخطفها مقتلعا كل ما دبروا وذهب ضانا أنها هينة ،ولما عرفها خاب أمله فاستشاط غيظا وحنقا وعزم على الرجوع للظفر بهينة . ومن اجل ذلك فانه التقى بأحد الرجال في الطريق وقال له : اسمع يا هذا سأصبح فحلا من الإبل واذهب بي غدا إلى السوق فمن أعطاك مائة فقل له مائتان ومن قال مائتان فقل له ثلاثة ومن قال ثلاث قل له أربع ..إلى ان يأتي الرجل الفلاني من الدوار الفلاني (يقصد والد هينة) فبعني له بالثمن الذي أعطاك إياه.ثم تحول إلى جمل مطواع وتزايد الناس وتغالوا في ثمنه ، وصاحبه يفعل ما أُمر به في ردهم إلى ان جاء أب هينة فتفحص الجمل جيدا فوجده فحلا نجيبا ولطيفا ، فأعطاه ثمنا متواضعا فقال الرجل :هو لك لله يْرَبَّحْ . فاخذ والد هينة الجمل أمام صراخ الآخرين واحتجاجاتهم ، وذهب به إلى الدوار وعلامات الفرح لا تفارق محياه ، فهو فحل ليس لأحد مثله ،جيد،سهل،ومطواع وهي صفات قلما تجتمع في فحل من الإبل ،وبدا الأطفال يلعبون حول عنقه وهو يشمهم ويلعب معهم بلطف ، أما هينة فإنها لما رأته اكتحلت بالسواد وقالت لأبيها: " ابّا و يَا حْنِينِي جْبْتِي لِي اعْدُويَا".فقال لها:كيف يعقل ان يكون هذا الجمل المطواع عدوك ؟فسكتت عليه ولم ترد .وفي الغد ناداها(أبوها)  لترعى الإبل كالعادة لكنها امتنعت وقالت له :لن أرعاها البتة مادام ذلك الجمل فيها.واستمرت على حالها تلك يوما أو يومين فضاق أبوها ذرعا بذلك  فأرغمها على الخروج مع الجمال ، فقامت والدموع تملأ مآقيها وألقت أخر نظرة على ما عز لديها في الدوار وخرجت بالإبل،ولما ابتعدت قليلا التفتت إلى الخيام وهي تبكي لكن الغول لم يترك لها حتى مهلة التأمل في موطن ربما لن تعود له البتة ، فدهمها ووضعها فوق قفاه ،وراح يقطع بها الروابي و الوديان.  هذا ما كان من أمرها.<o:p></o:p>

    ولما عادت الإبل في العشية لم تكن معها لا هينة ولا الجمل النجيب فأدرك ابوها مدى صدقها وحقيقة أمرها وندم  حيث لا ينفع الندم. أما أمها وزوجة عمها (أم يوسف خطيبها)فقد قلن بينهن حينما يأتي يوسف من سفره ماذا سنقول له، فرطنا في هينة وخطفها الغول؟ <o:p></o:p>

    - سنقول إنها ماتت<o:p></o:p>

    - وإذا سأل عن قبرها؟<o:p></o:p>

    - نحفر قبرا ونضع فيه خشبة ، وانه لن يجرأ على نبشه ، وسينسيه الزمن هينة.<o:p></o:p>

    ولما عاد يوسف من سفره فرحا بزواجه الذي غدا وشيكا سأل أمه عن هينة فرأى العبوس والحزن في وجهها فقال لها: بالله عليك يا أماه ماذا وقع لهينة هل تزوجت من رجل آخر؟ <o:p></o:p>

    فردت الأم وهي تغالب البكاء: بل أكثر من ذلك فهينة ماتت، جعل الله محبتك لها صبرا لك ورحمة لها. <o:p></o:p>

    ولما سمع ذلك من أمه انقلب الضياء في وجهه ظلاما : ان هي ماتت فأين قبرها؟<o:p></o:p>

    فأرته القبر لكنه لم يصدق فظن انه حصل شيء آخر غير هذا ، فحمل فأسا وحفر حتى وصل إلى الخشبة ، فاخبروه بالقصة من أولها إلى آخرها ، فاقسم بان لا يعود إلى الدوار ثانية حتى يعود بهينة أو يهلك دون ذلك فيعذر.<o:p></o:p>

    فانطلق يقطع الروابي و الكُدَى وكلما مر بربوة كانت هينة والغول قد مرا منها إلا وبدأت  تَحْمَرّ وتصْفَرُّ فيسألها :" الكُدْيَة وْ يا الكُدْيَة مَالَكْ تَاتْحْمَاري و تَاتْصْفَارِي؟"فتجيبه:" حُڮْلِي مَا نَحْمار و نْصْفَار وهيْنَة دازَتْ مِنِّي" ومن ربوة إلى ربوة ومن فج إلى فج إلى ان وصل كدية جميلة تحمر وتصفر مثل سابقاتها فناداها:" الكُدْيَة وْ يا الكُدْيَة مَالَكْ تَاتْحْمَاري و تَاتْصْفَارِي؟"<o:p></o:p>

    فأجابته:" حُڮْلِي مَا نَحْمار و نْصْفَار وهيْنَة ساكنة فِيَّ"ففرح فرحا شديدا بقربه منها وان كان لا يدري ما ينتظره مع الغول، و تفحص الربوة جيدا إلى ان تراءت له مغارة كبيرة ولم يشك مرة أنها مسكن الغول فاقترب منها، ولم يكن بتلك المنطقة إنسيا غير هينة والخادم، فكل الناس هجرتها ليأمنوا بوائق ذلك الغول. وفجأة رأى الخادم فعرفها ، فسر سرورا عظيما وقال لها بان تنادي له سيدتها ، فدخلت الخادم عند هينة ولم تعرف انه يوسف وقالت لها : يا سيدتي ان هناك رجل يطلبك .<o:p></o:p>

    - انك تخرفين وتهلوسين من عساه يطلبني أبي؟ أم أخي؟أم يوسف ابن عمي؟  واغرورقت عيناها بالدموع . ثم خرجت الخادم من جديد لتتأكد من أمرها فراته لا يزال في مكانه ينتظر وعادت إلي سيدتها بمثل الحديث الأول وفعلت ذلك ثلاث مرات وهينة تجيبها بالجواب نفسه  ، ولما خرجت في المرة الرابعة سألها يوسف عما تعمل هينة فأجابته بأنها تغزل خيوطا من الحرير ، فقال لها: اذهبي و أَدْخِلِي عليها ديكا أو ديكين  فان رجله ستعلق بخيوط الحرير فتحاول تخليصها منه فيفر فتتبعه إلى الخارج . وكذلك فعلت الخادم . فخرجت هينة تجري وراء طير الدجاج فرأت يوسف ابن عمها فعرفته ، فتعانقا وتباكيا فرحا باللقاء وخوفا من الغول إذا اكتشف أمرهما فانه سيقتلهما لا محالة . وكانت المغارة واسعة وكبيرة بها غرف كثيرة ، فأدخلت يوسف في إحداها وغلقت عليه الباب بإحكام بعدما اتفقا على ما سيأتي ذكره.<o:p></o:p>

    في تلك الأثناء كان الغول في رحلة صيده اليومية  ولما جاء في المساء شم رائحة الأجنبي  في مغارته  فبدأ يقول: " رِيحة القَصْرِي و النّصْرِي لغْرِيبْ دْخَلْ لدَّارْ هَيْنَة و يَا لْغَدَّارْ" فبدأت تطمئنه وتقول له من عساه يأتي  لهذه الأرض الخالية القفرة إلا مجنون أو أحمق .. <o:p></o:p>

    كان للغول نوم ثقيل، وشخير كأنه الرعد لذلك كان إذا نام ليلا توسد شعر هينة حتى لا تنفلت منه وتهرب. لكنها في تلك الليلة اكترت شغالات النمل فعملن على سل شعرها شعرة شعرة من تحت رأسه، ثم أيقظت ابن عمها ، وخلطت الحنَّاء فحنت للحيوان والجماد حتى تأمن شرهم  ، وكان للغول ثلاثة أكياس يستعملها سلاحا للصيد أو ضد العدو وهي كيس الضباب ،وكيس الإبر وكيس البرد ، فحملاها معهما وخرجا في جنح الظلام .<o:p></o:p>

    لكن هينة نسيت حجرة صغيرة لم تضع لها الحناء مما اثأر حفيظتها وغيرتها  فبدأت تهتز وتضرب بشدة رأس الغول لتوقظه وتقول: " طَّنْ فِي رَاس بْلاَّ يْفْطَنْ هيْنَة بْشَاتْ" فاستيقظ من سباته الثقيل وحكت له تلك الحجرة كل ما وقع وجرى فاغتاظ غيظا شديدا واقسم ان يجعل " دمَهُما فِي جُغْمة و لحْمَهُمَا في دَغْمَة" وتبعهما . أما الخادم فإنها استغلتها فرصة للهرب هي الأخرى.<o:p></o:p>

    في ذلك الوقت كانت هينة وابن عمها قد خووا بلادا وعمروا أخرى جادين في الرجوع إلى موطنهما، وفجأة التفتت هينة وراءها فقالت ليوسف: التفت وراءك وانظر ماذا ترى ؟ فقال: طلائع برق ورعد. فقالت له :ان ذلك البرق الرعد هو الغول وانه لا محالة مدركنا ، فارمه بكيس الرياح. فرماه به  فدفعت الرياح الغول بعيدا عنهما وظل يقاومها حتى تخلص منها وتبعهما من جديد، فرمياه بكيس الضباب فبقي تائها إلى حين انقشاعه ، فجد من جديد في اللحاق بهما ، فرمياه بكيس الإبر فانغرزت في جسده كله وفقأت عيناه  وانكسرت شوكته. وبعد ذلك قالت هينة لابن عمها : اسمع يا ابن العم ان الغول قد ثقبت الإبر جسده و فقات  عيناه وانه سيستعمل الحيلة للظفر بنا، فإذا رأيت في طريقنا هاته خمارا من حرير فلا تحمله ولا تمعن النظر فيه، وإذا وجدت طائرين أسودين يقتتلان فدعهما وشانهما ولا تقل لهما شيئا .<o:p></o:p>

    وواصلا طريقهما الطويل إلى ان وجدا خمارا من حرير ففعل يوسف ما قالته له هينة بشأنه،  واستمرا في المشي ترفعهما نجاد وتخفضهما وهاد ، إلى ان وجدا غرابان يكاد احدهما يقتل الآخر فأشفق منه يوسف وحاول ان يفرقهما وقد نسي وصاة ابنة عمه ، فتحول ذلك الغراب إلى طائر عظيم الخلقة وابتلعه وطار في السماء .<o:p></o:p>

    وحزنت هينة حزنا شديدا وقد بقيت وحيدة لا معين لها ولا أنيس في ارض خالية إلا من الغيلان والوحوش، وحتى ان صادفت بشرا فان حسنها وجمالها  سيجلبان لها السوء والشر، ولتفادي كل ذلك اهتدت إلى حيلة، حيث لبست جلد كلبة صادفتها ميتة لتوها في الطريق، وواصلت المسير أياما وليالي إلى ان وصلت إلى الدوار فاستقبلتها الكلاب بالترحاب وانحازت على عمها مثل كلبة مسكينة ، وبماذا سينفعها  التخلص من قناعها  ذلك  فخطيبها قد صار في بطن الغول ، فلما رآها عمها  أشفق منها وقال لعياله ان هذه الكلبة المسكينة الضعيفة  قصدتنا فأطعموها واحرصوا لئلا تجورعليها بقية الكلاب ، فخلطوا لها النخالة في حفرة خاصة بها ، ولما جن الليل  جاء الغول في صفة ذلك الطائر الكبير( وفي بطنه يوسف ) حيث لم يصبر على فراق هينة فجاء ليتفقدها، ولما أحس يوسف قربه منها ناداها من الداخل قائلا : " هيْنَة وْ يَا هَينَة واشْ عشَاكْ اللَّيْلة؟"فأجابته:" عْشايَ نُخَّالَة و رْڮَادِي بَيْنْ لخْوَالَفْ  يُوسف يُوسَف يالغَادَرْ بِيَّ" فقال :" قَرْحِي بُويا قرْحي أمي، قَرْحِي بُويا قرْحي أمي" وطار الطائر مثل الغيمة وابتلعه الظلام ، واستمر الأمر كذلك ليال عديدة . وفي إحدى الليالي أصاب عم هينة(والد يوسف) وجع في أضراسه منعه من النوم، فجاء الغول على عادته، وكلم يوسف هينة بما سبق ذكره، فسمع كل ما دار بينهما فتألم تألما كثيرا، وفي الصباح قال لعياله : من الآن فصاعدا اتركوا هذه الكلبة تأكل مما تأكلون وتنام حيث تنامون فإن لها شأن . ففعلوا ما أمرهم به . وفي الليل جاء الطائر كعادته ونادى يوسف هينة : " هيْنَة وْ يَا هَينَة واشْ عشَاكْ اللَّيْلة؟" فأجابته: " عْشايَ فْتَاتْ و نْعاسي بَيْنْ لْبْنَاتْ، يُوسف يُوسَف يالغَادَرْ بِيَّ" فرد: " فَرْحِي بُويا فرْحي أمي، فرْحِي بُويا فرْحي أمي".<o:p></o:p>

    وفي ليلة من الليالي جاء الغول على عادته ، فقال يوسف لهينة: يا هينة غدا قولي لأبي ان يذهب إلى السوق الفلاني فيشتري ثورا اسودا كامل السواد ، فيذبحه قرب الضاية الفلانية ، فان الطيور ستجتمع عليه ، فلا يتركها تشبع من لحم ذلك الثور ، إلى ان يأتي الطائر الكبير الأسود الكامل السواد فليتركه يأكل إلى ان يثقل ويعجز عن الطيران ..<o:p></o:p>

    فسمع عم هينة ما قاله ابنه، وكان منذ تلك الليلة التي أصابه فيها وجع أضراسه قد عزم على ان لا ينام حتى يسمع الحوار المعلوم. وفي الغد فعل مثل ما سمع ولما شبع ذلك الطائر من اللحم وثقل عن الطيران، اخرج بندقيته وصوبها نحوه وقال له: " حُطّْ يُوسف كما ابتلعته" <o:p></o:p>

    - اتقياه أعمى<o:p></o:p>

    - حُطّْ يُوسف كما ابتلعته<o:p></o:p>

    - بلا يدين..<o:p></o:p>

    واستمر الجدال بينهما ، فما كان منه إلا ان تقيأه كاملا مكمولا مغشيا عليه ، وارتمى في تلك الضاية وكانت نهايته .<o:p></o:p>

    أما الأب فقد حار في أمره وما يفعله لابنه حتى يستعيد وعيه ويستفيق من غشيته تلك، وفجأة رأى وزغتان تلعبان بينهما  فشغله أمرهما عن ابنه فضربت إحداهما الأخرى فسقطت مغشيا عليها ،  فقال لها: أ رأيت لقد أغمي عليها فماذا ستفعلين لإيقاظها؟ فردت: الهم همك ، أما أنا فسأفيقها حالا.   وسرعان ما اقتلعت بعض الأزهار والرياحين واشمتها لأختها فاستفاقت لتوها، فاخذ منها درسا جميلا  وقطف الورود نفسها واشمها يوسف فاستفاق من غشيته، فتعانقا وتباكيا فرحا باللقاء، وعمت الفرحة كل أرجاء الدوار .<o:p></o:p>

    وعزم يوسف الزواج بعد كل هذا الضياع والعذاب، وتنافست بنات الدوار في الظفر بخطوبته، لكنه قرر ألا يتزوج إلا تلك الكلبة المتهورة .. وشاع خبره وذاع  في الدواوير المجاورة، و ظُنَّ بعقله الظنون، وسخر منه الحساد والساخرون .<o:p></o:p>

    وكان أبوه الوحيد الذي يعرف سر تلك الكلبة وأنها هي هينة ، فأقام لهما عرس يليق بمقامهما ، واجتمع الناس من كل حدب وصوب فأكلوا وشربوا ، ولذوا وطربوا .<o:p></o:p>

    وفي الصباح ذهبت الخادم لتتفقد أمر سيدها مع تلك الكلبة ، وما ان فتحت الباب حتى انبهرت بما رأته من حسن هينة وجمالها ، فرجعت وهي لا تصدق عينيها، وحكت للنساء كل ما رأته، فعلت الزغاريد، وبهت كل حساد عنيد، وشاع الخبر في الدوار وبلغ صيته الأمصار، فكان هناك أبله مغفل في إحدى الدواوير القريبة وكان قد سمع بالخبر فأراد ان يتزوج هو الأخر من كلبة طمعا منه  في ان تتحول إلى عروس حسناء، وبدا يقول لها : "   سلُخْ ملُخْ لُوحْ الجَلدْ" وهي تكشر عنه بأنيابها: "عررررررررر"   إلى ان اشتد غضبها  فانقضت عليه ، وهرب مذعورا وهي تتعقب قدميه.<o:p></o:p>

    أما يوسف وهينة فقد عاشا حياة سعيدة إلى ان أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات ، وأما أنا فخبيرتي مشات مع الواد وأنا بقيت مع أولاد الأجواد، وموعدنا يتجدد في حكاية جديدة  ان شاء الله.    <o:p></o:p>

     

    <script type="text/javascript"> var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); </script><script type="text/javascript"> var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._trackPageview(); </script>

    1 commentaire
  • السَّيِّد الرَّأْس

    يروى انه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان في إحدى البلاد ملك، وكان له سبع زوجات لكنه لم يرزق بنسل، أو ذرية ترثه وترث تاج ملكه من بعده.<o:p></o:p>

    وفي يوم من الأيام  كان احد الصيادين يصطاد السمك على شاطئ البحر، وفجأة سمع سمكة تقول لأختها : "إني أصلح لمداوات العقم ، فمن به عقم فليأخذني ويغليني في الماء، فمن أكلت من لحمي من نساءه تنجب الذكور ، ومن شربت من مائي تنجب الإناث . وما ان أتمت حديثها حتى رمى بصنارته نحوها ، فعلقت بها ، وهرول مسرعا إلى قصر السلطان فأخبر الملك بخبرها ، وما سمعه من حديثها ، ففرح بذلك فرحا عظيما وأجزل له الهدايا والعطايا وقربه منه وجعله صياده الخاص ، وأمر بطباخه ان يفعل ما قالته السمكة ..ومر على نسائه فأعطى كل واحدة من مائها إلا زوجته السابعة فهي صغراهن وأكثرهن حظوة عنده فقد أكلت من لحمها . فحبلن من ليلتهن ، ولما جاءهن المخاض أنجبن تباعا ستة طفلات وطفل ، غير ان هذا الأخير ليس كبقية الأطفال، إذ انه ولد ملفوفا بجلدة تغطيه من كل جهة مثل الكرة ، فسماه السلطان السيد الرأس ، لأنهم اعتقدوا انه رأسا لا جسد له . وتوالت السنين والأعوام وتزوجت أخواته، وهو قابع في مقصورته لا رأي له، ولا يدخل عليه غير الخدم لخدمته ، فحز ذلك في نفسه ، فأرسل احد خدمه إلى أبيه قائلا له:"اذهب إلي أبي وقل له لقد زوجت كل أخواتي دون ان تستشيرني ودون ان اعلم حتى بذلك .." <o:p></o:p>

    - فقال له السلطان: ما أنت إلا راس بلا جسد فماذا استشير فيك.<o:p></o:p>

    - فرد السيد الرأس قائلا لخادمه: قل له "  رَاه حْسّْ المَعْيُور هَذَا" <o:p></o:p>

    - نحن من التائبين ولسنا من العاصين <o:p></o:p>

    فرجع الخادم ونقل له ما قاله أبوه فقال له السيد الرأس: عد هذه المرة وقل له إني قد بلغت مبلغ الرجال..<o:p></o:p>

    - فقال أبوه للخادم: اذهب إليه فليختر من يشاء من بنات الرعية أو بنات الملوك ذوي التيجان سأزوجه إياها <o:p></o:p>

    - فرد السيد الرأس:  قل له ما قلت إلا الصواب ولكني سأدبر الأمر بنفسي. <o:p></o:p>

    فنادى واحدا من خدمه وقال له : اذهب إلى شاطئ البحر وضع رجلا في البر ورجلا في البحر ونادي بأعلى صوتك " وا مَنْصُورْ لَعْڮُوبِي" ثلاث مرات ، وحين تراه قل له قال لك السيد الرأس ايت بجوادك وجوادي والحق بي إني انتظرك . ففعل الخادم ما أمره به سيده ، وما ان أتم النداء حتى انشق له البحر عن فارس مغوار، فقال له: ان سيدي يطلبك ويقول لك بان تأتي بفرسه وفرسك . فرد عليه : في الحال قبل ان ترفع رجلك تلك من الماء .وانغمس في البحر تاركا وراءه موجة كبيرة .<o:p></o:p>

    وفي تلك الأثناء فان السيد مزق تلك الجلدة وخرج منها، ثم طواها بعناية فائقة ودسها وسط ملابسه ولبس اعز ما لديه، وتقلد سيفه، فاستوى شابا وسيما ذو حسن وجمال وقد واعتدال، واعتلى صهوة الجواد الذي أتاه به ملك البحر" مَنْصُورْ لَعْڮُوبِي" وانطلقا قاصدين احد ملوك الروم لطلب يد ابنته .<o:p></o:p>

    وكان ذلك الملك يسمى منصور العلج وكانت له ابنة تسمى "شُمِيشة" بارعة الجمال، وحيدة عصرها وفريدة زمانها،كان قد شاع صيتها في الأمصار وذاع، فجعل لها قصرا منيفا وأحاطه بسبعة أسوار من البَيْض وفي بابه أسدان ضرغامان يتطاير الشرر من أعينهما " سْبَعْ يَزْهَر و سْبَعْ يْڮْهَرْ حْتَى لْبَابْ الدَّارْ " وكل من يتقدم لخطبتها من عامة الناس أو أبناء الملوك عليه ان يتخطى تلك الأسوار السبعة دون ان يسقط ولو بيضة، وعليه أيضا ان يقاوم شراسة ذينك الليثين البارزة أنيابهما، فان لم يستطع فان مصيره الموت ويعلق رأسه في باب المدينة عبرة لمن يعتبر.<o:p></o:p>

    ولما وصل السيد الرأس ورفيقه اعلما منصور العلج بقدومهما واخبراه بمرادهما فقال لهما: "إذا ربحتما الرهان فذلك مهرها "، ثم توجه إلى السيد الرأس ، " وْ أَنا عَاطِيها لِيكْ خَادم خْديمَة مَا لِيهَا ثَمَن ولا قيمة"<o:p></o:p>

    وفي الصباح عمد على اجتياز تلك الأسوار السبعة دون ان تسقط بيضة واحدة ، أما السدين فإنهما جاءاه طائعين مرحبين وكأنهما يعرفانه ، فدخل على العلجة فاستقبلته بوجه صبوح كأنه القمر ليلة أربعة عشر، وأقام أبوها أفراحا دامت ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع أردف عروسه وراءه وانطلق ورفيقه يبغي ارض أبيه.<o:p></o:p>

    أما أمه وزوجات أبيه وأخواته فإنهن لما رأينه غادر تلك الجلدة خفن ان عاد ان يرجع لها ويعود إلى ما كان عليه ، فعملن على حرقها والتخلص من أمرها ،  وبينما هو في طريق عودته مع رفيقه وعروسه إذا بنار تنزل عليه وتخطفه من فوق جواده وكأنه لم يكن ، فأوصل صاحبه العروس إلي أبيه واخذ الجوادان واختفى في اليم .<o:p></o:p>

    وفي أحد الأيام كان ذلك الصياد الذي أتى بالسمكة للسلطان..وقلنا ان الملك جعله صياده الخاص ، كان يرمي شباكه في البحر وفجأة سمع سمكة تقول لأختها : ما أثقلك هذه المرة.  فردت عليها الأخرى: إني قد ابتلعت السيد الرأس لما أحرق ذلك الحجاب الذي كان فيه ، وإذا أرادوا ان يخرجوه من بطني فما عليهم إلا ان يأخذوا بعض رماد تلك الجلدة ويضعوه تحت لساني فاني سأتقيؤه .<o:p></o:p>

    فاقترب الصياد بقاربه نحوها و وقعت  في شباكه  وعجل بها إلى السلطان ، فقال له ما سمع ، فغضب السلطان على عياله لحرق ذلك الحجاب والزهد فيه ، وأمرهن بان يبحثن له عن مكان إحراقه ان بقي قليل من رماده أو ذهبت به الريح ، فوجد قليلا من الرماد مازال عالقا بإحدى الأحجار فأخذه ووضعه في فم السمكة فأخرجت لتوها السيد الرأس من بطنها كاملا مكمولا ، ففرح السلطان بنجاة ابنه وأقام الحفلات والأعراس مدة شهر وعاشوا حياة سعيدة إلى ان أتاهم مخلي القصور معمر القبور ، هازم اللذات ومفرق الجماعات . أما أنا فسألقاكم في حكاية جديدة ان شاء الله ،  وخبيرتي مشات مع الواد و أنا بقيت مع أولاد الأجواد.              

    <script type="text/javascript"> var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); </script> <script type="text/javascript"> var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._initData(); pageTracker._trackPageview(); </script>

    votre commentaire
  • الطِّينْ لَكْحَلْ

    يحكى انه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان سلطان عظيم ذو قوة وجاه كبيرين، وذات يوم جمع كهنته لينظروا فيما سيكون من أمره وأمر ملكه، فخططوا ورملوا وقالوا له: يا سلطان الزمان لقد رأينا أنه سيولد لك البنين والبنات، وان البنات سيسعين في هلاك البنين وتخريب ملكك . فانقلب الضياء في وجهه ظلام، ومنذ ذلك الحين عزم على قتل و وأد  كل أنثى ولدت له..<o:p></o:p>

    وفي احد الأيام وضعت إحدى زوجاته توأما من ذكر وأنثى، فعمدت هي وبقية الأزواج إلى إخفاء الطفلة لكي لا يتم قتلها، فأمرت الخدم فحفروا لها نفق في جوف الأرض وأقاموا فيه غرفة جميلة مجهزة بكل ما يٌحتاج إليه وضعت ابنتها بها حتى لا يعلم بها السلطان فيقتلها، وكانت تنسل بين الحين والآخر لإرضاعها .. ولما بلغت الفطام أمرت خدمها بان يعطوها اللحم أو الفاكهة من دون عظم أو نواة، وتوالت السنين وانسابت، و أصبحت الطفلة راشدة وهي تعتقد ان كل العالم هو تلك الغرفة وأنها كل ما يمكن ان يكون، إلى ان جاء يوم نسي الخدم فيه تمرة بنواتها ، فلما بدأت بالأكل وقعت عليها وبدأت تعلك عظمها وتتأمل في أمرها (لماذا هذه التمرة ليست كبقية التمرات ، وكيف جاءت إلى هنا ؟ ومن أين؟ وسيل من الأسئلة المتسلسلة) ولما رجع احد الخدم لرفع مائدة الطعام غافلته وتبعته دون ان يشعر بها، ففتحت عينيها لأول مرة على العالم الخارجي، وبهرها سحره وجماله . أما أمها وبقية الأزواج فقد راعهن منظرها، وخفن على أرواحهن، فالسلطان لا محالة قاتلهن ان كشف سرها جزاءا على خيانتهن، ففكرن ودبرن، وقلن لأخيها التوأم : إن السلطان إذا علم بأمر أختك سيقتلها ويقتلنا معها، فاذهب بها بعيدا وأطرحها أرضا لا ترجع منها أبدا أو تأكلها السباع..<o:p></o:p>

    فأسرج جواده وأردف شقيقته قائلا لها: تعالي يا أختاه نذهب إلى الصيد في نزهة حتى تتمتعين بجمال الطبيعة وسحر أطيارها و أزهارها. وانطلقا يقطعان البراري والفلوات والوديان.<o:p></o:p>

    أما السلطان فإنه لما رجع إلى قصره سأل على ابنه فقيل له انه خرج ليشم الهواء وقد ضاق به الحال في مقصورته ، وفي الليل لما لم يعد أرسل جماعة من جنده في طلبه فلم يعثروا له على أثر ، فظنوا انه أكلته السباع أو اعترضته عصابة من قطاع الطرق ، وعزى النفس عنه بالتأسى .<o:p></o:p>

    ولما جن عليه الليل عزم على الاستراحة،  وكانت أخته قد بلغ منها التعب كل مبلغ ، فتوسدت ركبته ونامت بفم مفغور نوما عميقا، فلما رآها على تلك الحال عزم على الانسلال والرجوع من حيث أتى كما قالت له أمه، لكنه أشفق من أخته و لم يطق فراقها وتركها فريسة للوحوش، فاغرورقت عيناه بالدموع و تساقطت ساخنة على وجهها، فأيقظتها من سباتها، ولما رأته على حاله تلك قالت له: ما بك يا أخي تبكي هل حصل مكروه؟ فأخبرها بالقصة من أولها إلى آخرها وقال لها : " وْدَابَا رَاسِي عْلَى رَاسْكْ خْسَارَة"  أي انه سيدفع كل مكروه عنها وأنه سيضحي بنفسه من أجلها.<o:p></o:p>

    و واصلا المسير علهما يجدان موطن يستقر لهما فيه المقام، إلى ان دخلا إحدى المدائن الجميلة، فطافا بأرجائها و أزقتها، لكنهما لم يصادفا بها بشر، فشوارعها خالية و حوانيتها فارغة من الناس، واستقرا في إحدى دورها دون ان تخطر لهما فكرة كشف أسرارها، وفي الغد ذهب السي محمد للصيد وترك أخته تستريح من عناء الطريق، وفي المساء عاد بصيد وفير ورزق كثير، فشويا وأكلا ما لذ وطاب، واستمرا على تلك الحال مدة من الزمن غير يسيرة إلى ان جاء يوم خرج فيه كعادته للصيد، فخرجت أخته من دون علمه لتروح عن نفسها فدفعها الفضول من زقاق إلى زقاق ومن حارة إلى أخرى إلى ان وجدت نفسها أمام قصر منيف عظيم تقف أمام بابه فتاة جميلة يخجل القمر من رؤيتها ، فسلمت عليها، فقالت لها الفتاة : " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يَا هَادْ الشّْبَاب الزَّيْنْ اللِّي مَا يَتْسَاهَلْ خْسَارَة "، فسألتها عن ذلك القصر، وعن سر فراغ المدينة من سكانها، فردت عليها الفتاة: إن هذا القصر يحتوي على سبعة أبواب وفي كل باب تقف فتاة مثلي وفي الباب السابع توجد مقصورة بها غول عظيم، وهو الذي أخلى هذه المدينة من سكانها فبعضهم قتله وبعضهم هرب إلى أماكن سحيقة ، والآن فإنه نائم فاغتنمي الفرصة و انجي بنفسك بعيدا عن هذا المكان. <o:p></o:p>

    لكنها لم تكترث لكلام الفتاة و أصرت على الدخول فوصلت للباب الثاني فقالت لها الفتاة الثانية مثل الأولى ، فالثالث والرابع والخامس والسادس إلى ان وصلت مقصورة الغول فدخلتها وجدته يغط في نومه، بشع الخلقة نتن الرائحة ، فوقعت في حبال غرامه، وأيقظته بلطف وعناية ، فلما رآها قفز منذعرا وقال: والله لو لم أخف بطش أخيك بي لقتلتك شر قتلة، فاذهبي من هنا ولا تعودي لي أبدا فأخوك فارس مغوار وأنا لا أقدر على قتاله وحربه.<o:p></o:p>

    فقالت له: أتعرفني و تعرف أخي؟  <o:p></o:p>

    - أعرف كل شيء يدور في هذه المدينة، والآن اذهبي ولن أريد رؤية وجهك ثانية.<o:p></o:p>

    فبدأت تستعطفه، وتبكي عليه وتقول: يا سيد الغيلان سيعز علي فراقك وان كنت مصمما عليه فاقتلني ربما أجد في الموت العزاء عنك. فأثر كلامها الرقيق عليه و رق قلبه لها وقال : ان كنت تقصدين ما تقولين فعليك التخلص من أخيك والسعي في هلاكه، فإنه ان سمع الخبر لا محالة قاتلي .<o:p></o:p>

    - وكيف الوصول إلى ذلك، و أنت الغول لم تقدر عليه.<o:p></o:p>

    - اصطنعي حيلة وقولي له ان يأتيك ببيض الطِّينْ لْكْحَلْ ، فإنه لن يعود من مغامرته تلك أبدا.<o:p></o:p>

    ولما جاء المساء دخلت للبيت و كأن شيئا لم يحصل، وتظاهرت بالتعب و المرض، وبأت تتلوى في فراشها وتئن فسألها أخوها عما حل بها،  فقالت له : إني اشعر بألم في بطني، وإن أمي كانت تأتيني ببيض الطِّينْ لْكْحَلْ ولست أدري من أي مكان تأتي به.<o:p></o:p>

    فلم يطق صبرا على ما حل بأخته وقال : ان كان في السماء أو في الأرض سأحضره. وانطلق في الحال، وحينما أيقنت بذهابه، رجعت إلى الغول لتزف له البشرى.<o:p></o:p>

    في تلك الأثناء كان سي محمد في الطريق ترفعه نجاد تخفضه وهاد يسير ليل نهار ويسأل كل من يلتقي به عله يعثر على خبر الطِّينْ لْكْحَلْ وقلبه يكاد يتشقق حزنا على أخته من أن تموت أو يصيبها مكروه في غيابه .<o:p></o:p>

    أما الطِّينْ لْكْحَلْ فهو إسم لملكة من ملوك الجان، ذات جاه عظيم وشأن، ولها مارد اسود جبار قهر كل عظيم ولا يوجهه إلا لئيم، واسمه عَزِّي بْنْ دَادَّا، والغول يعرف جبروته لذلك طلب من الأخت  ان تزج بأخيها في تلك المغامرة. ولما رأى عَزِّي بْنْ دَادَّا شبح السي محمد يقترب من مملكة الجان اقتلع إحدى الأشجار من جذورها ورماه بها ، فاعترضها بسيفه وقسمها نصفان، ثم رماه بصخرة عظيمة فشقها بسيفه إلى شقين، و استمرا في القتال إلى آخر النهار . ولما افترقا عاد عَزِّي بْنْ دَادَّا إلى سيدته الطِّينْ لْكْحَلْ وقال لها : لقد لقيت من نهاري هذا رهقا، لم يسبق لي ان قهرني انس ولا جان مثل ما قهرني هذا العبد اللئيم، لم أرى مثل حربه قط.<o:p></o:p>

    - ويلك يا أحقر الجان، ان عدت لي بهذا الحديث سيكون لي معك شان .<o:p></o:p>

    فعادا في اليوم الثاني فاقتتلا حتى غروب الشمس وافترقا ثم فعلا نفس الشيء في اليوم الثالث دون ان يظفر أحدهما بالآخر. فرجع عَزِّي بْنْ دَادَّا عند سيدته مقهورا متذمرا وقال لها : يا سيدتي إن ذلك الرجل قهرني ولم أعد أطق قتاله .<o:p></o:p>

    فقالت له: غدا دعه يدخل ، وسوف نرى قصده ، ان كان مسالما سالمناه ، وان كان محاربا حاربناه ، وان كان مظلوما أجرناه .<o:p></o:p>

    ففتح له الطريق  ودخل عند الطِّينْ لْكْحَلْ وطلبها بغيته، ومراده، ولما رأته عرفت من يكون وماهية قصته وكل ما جرى له من أوله إلى أخره ، فحاول استعجالها في أمره لكنها شرطت عليه الضيافة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع ناولته ثلاثة بيضات لتطمئن نفسه ليس إلا، وقالت له : اسمع مني هذه النصيحة إذا حدث لك مكروه، أو غدر بك غادر فقل لغريمك ان يحزمك فوق جوادك ويقول له" الطّْريق اللِّي جَابْتَك تْرُدَّك"، و ركض على جواده غير مكترث، ومرق مروق السهم إلى الرمية وباله مشغول على أخته ..ولما دخل المدينة تنبأ به الغول فقال لشقيقته : أهجرني ولا تعودي لي بعد اليوم، فمن قهر عَزِّي بْنْ دَادَّا فما أنا إلا ذبابة أمام عينيه، فبكت و استعطفته ولثمت يديه ورجليه، فقال لها: لن أراك هنا أبدا إلا وقد تخلصت من أخيك، وأهلكته.<o:p></o:p>

    وانطلقت إلى البيت بسرعة مهمومة مغمومة على فراق الغول ونجاة أخيها، وتظاهرت بالمرض فبدأت تتوجع وتتلوى مثل الأفعى..ولما دخل عليها أخوها بدأت بالتباكي وقالت له : منذ ذهابك لم يغمض لي جفن ولا اكتحلت عيناي بالنوم، لقد خفت ان يصيبك مكروه، ولم أطق فراقك . ثم ناولها البيضات الثلاث وداعبت بهم بطنها وقالت لأخيها: أشعر الآن بالراحة و الاطمئنان وذهاب ما كان بي، ثم استقامت واقفة معافاة، ففرح فرحا كبيرا لشفائها وحكى لها كلما لقاه في رحلته من صعاب وعقبات. ولما أتم حديثه قالت له: إني فخورة بك يا أخي فأنت فارس مغوار، وبطل شهم شجاع.<o:p></o:p>

    - لكن يا أختي لو أخذت شعر رأسي هذا وربطت به يداي ورجلاي لن أستطيع الحراك .<o:p></o:p>

    - لا أعتقد ذلك فما أراك إلا مازح، دعني أجرب بنفسي، فأخذت شعره وربطته به من يديه ورجليه حتى عجز عن الحركة وقال لها: أ رأيت صدق كلامي ؟ ففكي رباطي الآن . <o:p></o:p>

    - انتظر قليلا، سآتيك بمن يخلصك ويريحك إلى الأبد، وذهبت لتعلم الغول بما دبرته.<o:p></o:p>

    فجاءا معا وأخوها لا يزال مكتوفا كما تركته لا حول له ولا قوة، فلما رآها مع الغول أدرك خبث نفسها، ومدى غدرها، وقال للغول: لماذا تفك وثاقي، ونرى من البطل، فك لي على الأقل يد واحدة.<o:p></o:p>

    فرد عليه: لست من فعل بك هذا، وليس من شيمي الغدر، إنما هو أمر من تدبير أختك، و لست بغبي حتى أترك فرصة التخلص من غريم دخل مدينتي وفعل فيها ما يريد. <o:p></o:p>

    فقال: أريد ان تحقق لي طلبا واحدا، فأنا لا أريد أن تشتت أجزائي  في أرض الغدر هذه، لذلك حينما تنتهي مني فاحزمني فوق حصاني وقل له"الطْرَيْڮْ اللِّي جَابْتَك تْرُدَّكْ".<o:p></o:p>

    ولما فرغ من أمره، و وضعه فوق حصانه، وكان ما يزال به رمق من الحياة، وقال له:" الطْرَيْڮْ اللِّي جَابْتَك تْرُدَّكْ"، فانطلق الجواد مثل البرق يقطع الأودية و السهول، ولما شارف على مملكة الجان رآه عزِّي بْنْ دَادَّا فقال لسيدته: إني أرى نقطة سوداء يلوح بها الأفق تقترب منا رويدا <o:p></o:p>

    فقالت له : عجل بها فلا شك  إنها "سي محمد" قد لقي من أخته والغول الأسوأ ، وكانت الطين لكحل قد أعجبت به وببسالته ونبله ولم يسبق لها ان رأت في الإنس ولا في الجان نظيره ، فعزمت على الزواج منه . <o:p></o:p>

    ولما أوصله عزِّي بْنْ دَادَّا أمرت مجموعة من الوزغات بمداواته وخيط جراحه، وهو فاقد لوعيه ولا يبدي حراكا، وفي اليوم الثالث فتح عينيه، وبدأ في التحسن والمعافاة إلى أن استقام واقفا فقال لها: أما الآن فإني اعزم على الرجوع لتصفية حسابي و الأخذ بثأري. <o:p></o:p>

    فقالت له: لا تحمل هما فبإشارة مني سأحضر لك ذلك الغول ذليلا بين يديك راكعا أمام رجليك.<o:p></o:p>

    لكنه أصر على الذهاب والتحدي، ولما رأت قوة عزيمته وجيشانه قالت له : قبل الذهاب يجب عليك امتحان نفسك وقواك، و ان كانت قد التأمت جراحك .<o:p></o:p>

    فحمل حجرة كبيرة و رماها وراءه فانفتحت بعض الجراح وبدأت تسيل بالدم، فخضع للعلاج من جديد إلى ان استعاد كامل قوته، فانطلق يبغي الأخذ بثأره. ولما دخل المدينة قصد قصر الغول، فوجد أمام أولى أبوابه تلك الفتاة التي اعترضت أخته أول مرة فحذرته من خطر الغول ونصحته بالذهاب بعيدا عن هذا المكان، فحكى لها قصته و مراده، ثم دخل الباب الثاني والفتاة الثانية والثالث والرابع.. إلى ان وصل مقصورة الغول، فوجده نائما متوسدا شعر أخته، فنغزه بسيفه ليوقظه، ولما استفاق قال له : ان كنت قد غدرت بي في المرة الفائتة، فالغدر ليس من صفاتي ولو كنت كذلك لضرجتك في دمائك وأنت في عمق نومك وسباتك والآن اترك لك مهلة الاستعداد لقتالي .<o:p></o:p>

    أما أخته، لما رأته، فقد بدأت بالتباكي، وحاولت معانقته والتظاهر بالندم على ما فعلته، لكنه منعها من الاقتراب له برأس سيفه، ودخل مع الغول في قتال عنيف، وكان لهذا الأخير سبعة رؤوس فلما أيقن من هلاكه قال للسِّي محمد : لقد حققتٌ رغبتك في جمعك فوق حصانك، والآن كن بي رحيما ولا تعذبني أكثر، فإذا قطعت ستة من رؤوسي فلا تزد السابع، فإنك ان قتلته تعود كل الرؤوس إلى الحياة .<o:p></o:p>

    فقطع الرؤوس الستة وزاد السابع ليتأكد من صدق الغول، أو أنها مكيدة يكيدها، فعادت كل الرؤوس إلى الحياة، ثم بعد ذلك قتل الستة وترك السابع، وانتهى من أمره ، وصحب البنات الستة وعاد إلى مملكة الجان؛ أما أخته فقد تركها في تلك المدينة الخالية، ولم يدنس سيفه بدماء غدرها، وهذا ما كان من أمرها.<o:p></o:p>

    ولما وصل هنأنه الطين لكحل بالسلامة والانتصار وتزوجها وبقية البنات الستة، وصفت لهم الأيام وطابت، لكنه تذكر الأهل و الأوطان، وراوده الشوق والحنين، فجمع أزواجه وحدثهن بأمره، وما ضاق به صدره، فقالت له الطين لكحل: ماذلك إلا كرمش العين، وإشارة الأصبع ، فأمرت مَرَدَتَهَا ، وفي الحال أقاموا لها قصرا عظيما وفريدا بالقرب من قصر السلطان، والد زوجها، بأضواء باهرة، وحدائق غناء ساحرة، شرفاته فسيحة، وأرجاؤه واسعة، متفتحة أزهاره، ومغردة أطياره.<o:p></o:p>

    ولما قام مؤذن السلطان لرفع أذان الفجر من فوق صومعة المسجد العالية أطل على ذلك المنيف، فلم يصدق عيناه، وانطلق للوزير ليخبره الخبر، فرأى بدوره حسن صنيع ذلك القصر، وبديع جماله، فطمع فيه، وحدث السلطان بحديثه و أمره، ولما بدا الصباح ولاح أرسل السي محمد الهدايا النفيسة، والمراسيل لأبويه يعلمهما بمجيئه، ويدعوهما إلى قصره، فلبس السلطان أعز ما لديه وصحب وزيره و حاشيته لملاقاة ابنه وإجابة دعوته، فعانقت الأم ابنها وبكت فرحة باللقاء، فحكى لهم كل ما جرى له وقدم لهم عياله، في تلك الأثناء كان الوزير يوسوس للسلطان ويقول له: ان هذا ليس ابنك، ولن نفوت علينا فرصة الانقضاض على  هذا القصر وعياله فاخذ ثلاث وتأخذ أربع ، واستمر يغريه بمثل هذا الحديث الخبيث، أما أمه وبعد فراق طويل أقسمت ان لا تفارق ابنها أبدا. وانقاد الملك لرأي وزيره، وفي الغد أمر كبير كهنته بتدبير حيلة يتم من خلالها هلاك ابنه ، فتنكر الكاهن بزي درويش وذهب أمام قصر الطين لكحل وبدأ يصيح بأعلى صوته : ياللعار والظلم ..فرآه السي محمد فسأله عن شأنه فقال له : ان السلطان جار علي وغصبني أرضي ..<o:p></o:p>

    - وأين توجد تلك الأرض ؟ <o:p></o:p>

    - إنها قريبة من هنا اتبعني سأريكها<o:p></o:p>

    وكان يحمل قربتين في الأولى ماء عذب وفي الأخرى ماء مالح،  ومشيا بعيدا ولما غالبهما العطش شرب من الماء العذب وأعطى رفيقه الماء المالح فلم يطفئ غلة عطشه ولم يتوقف عن الشرب ، فأصيب بالعمى ، فتركه الكاهن تائها في الهجير ورجع من حيث أتى.<o:p></o:p>

    ولما تم جلاء ابنه أرسل السلطان وزيره إلى الطين لكحل يعطيها الأمان ان هي سلمت نفسها وقصرها وإلا قادها ذليلة صاغرة ، فقالت له : قل له انه لا وقت لدي للمزاح، فاغتاظ السلطان لما سمع وركب غروره وزهوه وأرسل عصابة من جنده لإحضارها ، فاعترضهم عزي بن دادا وأهلكهم  بإشارة من يده، ونشبت الحرب ودارت رحاها بين الفريقين ودقت دفوفها وبدأ السلطان يفقد رجاله أمام بطش وقوة عزي بن دادا.<o:p></o:p>

    أما السي محمد فإنه بقي تائها لا يرى غير الظلام إلى ان سمع فجأة شجرة تسأل أختها عما تصلح له فقالت لها: إني أصلح لمداوات العمى، فليأخذ من لا يبصر بعض أوراقي ويقطرهما في عينيه فإنه يرتد بصيرا، فأرهف السمع جيدا إلى أن عثر على مصدره فاقتلع الأوراق وقطرهما في عينيه فاستعاد النظر، ووجد نفسه في مكان لا يعرفه، فمضى يسأل عن مملكة أبيه، ولما اقترب منها صادف احد الرعاة واشترى منه خروفا فذبحاه وشوياه وأكلا حتى شبعا، ثم أخذ بطنه ولبسه فوق رأسه فبدا وكأنه أقرعا لا شعر له، ودخل المدينة ووجد بها عجوز كانت قد فقدت ابنها في الحرب الدائرة، فسألها عن أحوال السلطان فقالت له : إنه يخسر كل يوم فوج من جنوده وتوالت عليه الهزائم ، وحدثته عن أمر ابنها وأنها بقيت وحيدة بعده لا عزاء لها ولا سلوان، فقال لها : سأصبح ابنك يا أماه أقضي حوائجك وأفك الوحدة عنك، ففرحت فرحا كبيرا، وكانت لها بقرة فأصبح يرعاها كل يوم وهو يعزف بنايه ويغني ، فسخر منه الناس وأصبحوا لا ينادونه إلا الأقرع ابن العجوز.<o:p></o:p>

    وذات يوم دخل على أمه وهو مشغول مهموم، فسألته عما به، فقال لها: إن أقراني يسخرون مني ومن بقرتي وإني أريد بيعها وشراء مهر أركب عليه، <o:p></o:p>

    - أبدا فإن هذه البقرة منها نأكل وهي رزقنا.<o:p></o:p>

    ثم استعطفها واستجداها إلى ان لانت له ، فباع تلك البقرة واشترى مهرا صغيرا، فكان كلما ركبه إلا وكان هدفا للسخرية اللاذعة ، وأصبح يقال عنه الأقرع ابن العجوز باع البقرة واشترى جحشا يا لها من تجارة بليدة، ويا له من غبي أحمق مغفل ، وفي إحدى الأيام قال لأمه : غدا سأذهب لأحارب في صفوف السلطان، فبدأت تبكي وخافت عليه ان يموت كما مات ابنها في تلك الحرب ، لكنه أصر على الذهاب ، وفي الغد كان، برأسه الأقرع ومهره الصغير، في ساحة الحرب ، فأبعدوه تطيرا منه، وقالت عنه الناس لم يبق لنا إلا ذلك الأقرع ابن العجوز، يَالَذُلِّ السلطان..لكنه انسل ودخل المعركة الدائرة فصال وجال وقهر عزي بن دادا وكفاه عن بقية الجنود فحقن دمائهم، وتمكن منه مرات عديدة ، ولما افترقا الجمعان أصبح حديث الأفواه و المجامع، و أُرْسِلَتِ الهدايا والأعطيات للعجوز، ثم عاد في اليوم الثاني والثالث إلى الحرب والنزال، حينها قال عزي بن دادا لسيدته: إن أحد الفرسان قد قهرني ولم أعد أطق قتاله، وما عدا سيدي لم أر أحدا مثله قط.<o:p></o:p>

    فقالت له: غدا سأخرج لنزاله وألقنه دروس الحرب والقتال، والطعن والنزال، فتنكرت بزي فارس وخرجت لساحة الوغى، فلما رآها عرفها فنازلها، متفاديا طعناتها الفتاكة، ونازلته إلى أخر النهار، واستمرا مدة ثلاثة أيام وهولا يفعل غير تجنب ضرباتها لأنه يعرفها ولا يريد ان يصيبها مكروه منه ولا من غيره، حتى كلت وملت فرفعها من فوق جواده ووضعها وراءه ، فعرفته ، وانطلقا للقصر، وكان آخر النهار، فأرسل في طلب أمه العجوز، ففرح الجميع باللقاء من جديد، وأمرت الطين لكحل مَرَدَتَهَا فحولوا ذلك القصر إلى بلاد بعيدة، ولم يبق منه إلا مكانه ، أما السلطان فلما استفاق في الصباح ، وهو عازم على مواصلة الحرب، فلم يجد لا قصرا ولا عجوزا ولا أقرعا، فأدرك غلطته وندم على فعلته وشنق وزيره الذي أملى عليه تلك الآراء الخبيثة.<o:p></o:p>

    هذا ما كان من أمرهم جميعا، أما أنا فخبيرتي مشات مع الواد، وأنا بقيت مع أولاد الأجواد، وأضرب لكم موعدا في حجاية جديدة إن شاء الله.  <o:p></o:p>

     

    <script type="text/javascript"> var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); </script> <script type="text/javascript"> var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._initData(); pageTracker._trackPageview(); </script>

    votre commentaire
  • المْڮَطْرْنَة

    يحكى أنه كان في قديم الزمان في إحدى بلاد العرب رجل تاجر يدعى التاجر امحمد،وكان له زوجتين عاقرتين، وأخرى أنجبت له سبع بنات، فحز في نفسه أن لم يرزق بنسل ذكر يرث اسمه، ومكانته، وجاهه من بعده، فحبلت زوجته الولود مرة أخرى وقبل أن يجيئها المخاض بأيام قلائل عزم الدوار على الرحيل لبلاد أخرى حيث المرعى، فاستغلتها الزوجتين العاقرتين فرصة للتخلص منها، فقد خفن ان تلد ذكرا هذه المرة  فتصبح أكثر حظوة منهما، وتصبحان مثل خدمها، فوسوستا لزوجهما وقالتا له : ان حملها لا يختلف عن سابقيه وهذه أمور تعرفها النساء، فلا تمني نفسك بما لا يمكن أن يكون ، واستمرتا في شحنه ضدها، فقرر هجرها و تركها هناك دون معين ولا مؤونة، إلا ما تركته  نساء الدوار لها شفقة منهن عليها، حيث عمدت كل واحدة إلى دفن خبزة أو خبزتين وسط الرماد، أو بيض أو سمن.. بعد رحيلهن.<o:p></o:p>

    وبقيت هناك، في تلك الأرض المليئة بالوحوش والضباع ..إلى ان جاءها المخاض فالتجأت إلى إحدى المقابر القديمة وسلمت أمرها للعلي القدير الذي لا يخيب سائله والملتجأ إليه، وتضرعت إليه بإخلاص، فاستجاب دعاءها وسخر لها عفريتة من الجان كانت تسكن المكان، فأعانتها على ميلادها وطردت الذئاب والضباع عنها، فأنجبت ولدا جميلا به شامة بين عينيه كأنها الياقوتة.<o:p></o:p>

    أما غريمتيها فقد فرحتا بالتخلص منها ولا شك أنها ماتت جوعا وعطشا، أو افترستها الذئاب الضُرَّمِ وافترست معها وليدها، وأما زوجها فإنه ندم على فعلته، ومن يدرى ربما كان ذكرا ما ببطنها، فأرسل أحد خدمه يطلع خبرها ويرى ما كان من أمرها، وقال له : ان وجدتها ولدت طفلا فاصحبها وراءك، وعندما تشارف الدوار لوح لي بحزامك ، وان ولدت بنتا فلوح لي بعصابة راسك، وان كانت قد أكلتها الضباع أو هلكت جوعا فعد من حيث ذهبت، فذهب الخادم على بغلته يطوي المسافات الطوال إلى أن وصل للمكان القديم للدوار، فرأى زوجة سيده وفي ظهرها رضيعها، فاقترب منها وسألها عنه إن كان ولد أو بنت، فقالت له: إنها طفلة، فارجع إلى سيدك ودعني وشأني، لكنه أبى إلا ان يستيقن الخبر، فأخذ الطفل من ظهرها بالقوة وتيقن منه، ثم أردفها وراءه  وقفل راجعا عند سيده ليزف له البشرى، ولما شارف على الدوار فك حزامه وبدأ يلوح به، فأقام التاجر امحمد الأفراح، وذبح الذبائح، وعزم العزومات مدة ثلاثة أيام، ورفع منزلة زوجته فأصبحت الآمرة الناهية، مما أغاظ الزوجتين الأخريتين فبدأتا بالتفكير في حيلة للتخلص منها ومن ولدها حتى يصفو لهما الجو مرة أخرى ..فقالتا بينهما : نقتل الطفل  ونرميه بعيدا، وإذا اكتشف أمرنا ؟ نقتلهما معا، لا هذا ليس بحل، و استمرتا في الحل والعقد إلى ان مرت بهما عجوز شمطاء عابرة سبيل فرأت أمرهما و توسمت شرهما، فانضمت إليهما وإلى ما تخططانه، و أفتت عليهما رأيها قائلة : لا تقتلوه، لكن دعوها حتى تستغرق في نومها، ثم خذا الطفل و اقطعا من خنصره واطليا فمها من دمه وكل ملابسها، وفي الصباح قولا بأنها افترسته، وسآخذه معي  ولن يسمع له خبر، وفي الليل فعلتا كما قالت لهما، و أخذت الطفل و ذهبت لبلادها البعيدة..<o:p></o:p>

    لما استفاقت الأم في الصباح  وجدت نفسها مضرجة بدماء ابنها ولم تجد له أثر فبدأت تبكي وتصرخ ، فسألتاها عن حالها فقالت لهما بأنها لم تجد ابنها ولا شك أن الذئاب افترسته وهي نائمة، فقالتا لها : ليس في هذه البلدة ذئاب إنما أنت التي افترسته، انظري ففمك مازال مطلي بالدم وأسنانك، يا غولة ، يا غدارة..واستمرتا في تعنيفها وهي مستسلمة لبكاء مرير إلى أن جاء التاجر امحمد فرأى وسمع و حزن حزنا شديدا، وانطبق عليه فخ زوجتيه، فأمر بعقاب زوجته عقابا أبديا، بأن أمر بحلق رأسها وطلاه وسائر جسدها بالقطران، ولبست خرقا بالية ورثة  وأصبحت تأكل مع الكلاب  وتنام في خيمة متسخة وبالية لا تقيها برد الشتاء ولا حر الهجير، وتقضي يومها في رعى الإبل، وحينما تدخل الجمال في العشي فإنها تمر فوق خيمتها، فتبنيها من جديد، أما الأطفال الصغار فلا ينفكون  يرمونها بالحجارة كلما رأوها وينادونها الغولة فراسة الأطفال، وشاعت في الدوار باسم " المْڮَطْرْنَة ".هذا ما كان من أمرها.<o:p></o:p>

    أما ما كان من أمر ابنها فإن العجوز تبنته، وأصبح مثل ولدها، فشب وترعرع في أحضانها، إلى ان جاء يوم حدث  فيه شجار بينه وبين أحد رفاقه  فسبه وقال له : لو كنت شهما وشجاعا لما بقيت عند تلك العجوز و لفتشت عن والديك ان كان لك والدين يا لقيط، فانقلب الضياء في وجهه ظلاما لما سمع  ذلك، ورجع عند أمه العجوز فال لها : لقد هلكت جوعا يا أماه، واني اشتهي عصيدة الشعير التي تحسني صنعها، فقامت لتوها وهيأت له طبقا كبيرا، فقال لها : ألا تأكلين معي يا أماه؟  فلما دنت يدها لتأكل أمسكها منها و غمسها في العصيدة المحرقة فبدأت تصيح وتعوي من الألم، لكنه لم يخلصها وقال لها: الآن أريد معرفة أبي وأمي  ومن أكون..، فحكت له القصة من أولها إلى آخرها، فغضب غضبا شديدا لكنه حمد الله على نجاته ونجاة أمه من شر تينك الأفعيان، وأقسم بان لا يرتاح ولا يهنأ له بال حتى يجد أهله ويطلع على حقيقة أمره، فحمل أمتعته و زاده، وصحب معه كلب سلوقي، و اصطاد ذئب وجعلهما في رباط واحد وانطلق يبحث عن أبويه، وكان كلما مر بدوار من الدواوير إلا واجتمع عليه أهله لرؤية ذلك الوفاق العجيب بين الكلب والذئب فيقولون له متسائلين : "عْجْبَكْ يا عْجْبَيْنْ وَاشْ الذِّيبْ والسّْلُوڮِي فِي مُرْسَينْ ؟" فيرد عليهم: "  عْجْبَكْ يا عْجْبَيْنْ وَاشْ  لَمْرَ تْفْرْسْ وْلَيْْدْهَا؟ " فيجيبونه بالنفي، فيعرف من خلال ذلك انه ليس دوار أبيه، و استمر على تلك الحال من دوار إلى دوار ومن منطقة لأخرى إلى أن وصل لدوار التاجر امحمد  فوجد امرأة ترعى الإبل فقالت له لما رأته :  "عْجْبَكْ يا عْجْبَيْنْ وَاشْ الذِّيبْ والسّْلُوڮِي فِي مُرْسَينْ ؟" فأجابها : "  عْجْبَكْ يا عْجْبَيْنْ وَاشْ  لَمْرَ تْفْرْسْ وْلَيْْدْهَا؟ " فتنهدت تنهيدة عميقة كادت تزهق روحها من خلالها وقالت له : أنا هي يا سيدي، فعرف أنها أمه ولم يعرفها بنفسه، وحكت له حكايتها من الأول إلى الآخر، وليس في الإعادة إفادة،  ثم تركها وانصرف يقصد دار التاجر امحمد، فخرجت إحدى زوجتيه فقال لها : قولي لزوجك إني غريب عابر سبيل أطلب ضيافتكم، وألتمس جودكم وكرمكم و نوالكم، فأخبرت زوجها في الحال فخرج إليه ورحب به، فمن عادات العرب إكرام الضيوف، وإلا أصبحت سبة على من لا يفعل ذلك كما قال الشاعر يهجو البخيل الذي لا يكرم ضيوفه:    قَوْمٌ إذَا اسْتَنْبَح الأضْيَافُ كَلْبُهُمُ X قالوا لأمهم بولي على النار<o:p></o:p>

    وفي العشي لما همت الإبل بالدخول رآها تمر فوق خيمة المْڮَطْرْنَة فقال للتاجر امحمد : عار عليكم ان تفعلوا بهذه المسكينة هذا وفي حضوري، سأكون أنا من يبنيها،  ثم سمع بعد ذلك احدى زوجتي أبيه تناديها (أمه) لتأكل مع الكلاب فعظم ذلك في عينيه وقال : ان أكلت هذه المرأة مع الكلاب فسأقاسمها عشاءها ، وأتركها سبة لكم  وسيقال التاجر امحمد يعزم ضيوفه مع كلابه .. أما الزوجتان فقد استشاطتا غضبا وأرسلا لها اللحاظ الشزراء تباعا وتهددتا وتوعدتا في نفسيهما، ولكم جاء العشاء  أجلسها قربه، وغسل يديها وكان برا بها، وفي الليل أمر بتسخين قدرة من الماء فاستحمت بها، وألبسها بعض ثيابه وقال لها : إن رأيت ابنك فهل تعرفينه ؟ فقالت : إن خنصره مقطوع وله شامة بين عينه تظهر كالياقوتة  كلما بسط وفرج ما بين حاجبيه ، فأراها ما بقي من خنصره، وفرج عن حاجبيه فتراءت شامته، فقالت له : كأنك هو، وعانقته، وبكت بكاء الفرح وطول الفراق . <o:p></o:p>

    ولما بدا الصباح، وأضاء بنوره  و لاح، استيقظت الزوجتين  فلم ترين المقطرنة مع الجمال فذهبن إلى خيمتها لاستطلاع أمرها، فلمحتا ابنها و رأتا خنصره المقطوع،  فانقلب الضياء في وجهيهما ظلام، لأن انكشاف أمرهما غدا وشيكا، أما هو فإنه لما استفاق قصد التاجر امحمد، ومعه أمه، وقال له : يظهر لي أنه كان لك ولد وأن هذه المرأة افترسته، و أنا أشك في ذلك، ولقد جبت بلدانا كثيرة ولم أسمع مثل الذي حدث، وربما كان ذلك من تدبير حاسد لك أو لها، فرد عليه : ماذا ينفع  وسهم القدر قد نفذ، وتنهد تنهيدة كبيرة ، فقال له : ربما كان ابنك ما يزال حيا يرزق وأنك تسرعت في إنزال عقابك على هذه المسكينة، والآن أريدك ان ترسل في طلب كل بناتك، والعجوز الفلانية وسيكون لي معك شأن. ففعل ما قاله له وحضرت العجوز و البنات وقال لوالده: كيف ستعرف ابنك إن كان ما يزال على قيد الحياة، <o:p></o:p>

    - له ياقوتة بين عينيه وجوهرة بين سنيه، وخنصره مقطوع.<o:p></o:p>

    فأراهم خنصره وفرج بين حاجبيه فأبان عن شامته.. وحكت لهم العجوز كيف أخذته، وأنها خافت عليه من أن يلحقه الأسوأ من زوجتي أبيه.. فعانقه والده  وأخواته، أما زوجتي أبيه فقد أراد زوجهما عقابهما لكن ابنه وأمه  سامحاهما على فعلتهما، وندمتا ندما شديدا، وعادتا للرشد بعد الغي، واجتمع الشمل وعاش الجميع حياة سعيدة إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات، معمر القبور ومخلي القصور، أما أنا فخبيرتي مشات مع الواد و أنا بقيت  مع أولاد الأجواد، وسألقاكم إن شاء الله في حجاية جديدة. <o:p></o:p>

     

    <script type="text/javascript"> var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); </script><script type="text/javascript"> var pageTracker = _gat._getTracker("UA-5964337-1"); pageTracker._initData(); pageTracker._trackPageview(); </script>

    votre commentaire
  •  

     

    احْدَيْدَّانْ لَحرَامي

    يحكى أنه كان في قديم الزمان في إحدى البلاد رجل حكيم وكان له ابن يدعى حديدان، وذات يوم قرر الرحيل إلى مكان آخر فصحب ابنه وساق إبله  و مشيا في حر الهاجرة، ولما بلغ التعب من حديدان  مبلغه قال لأبيه : إني تعبت يا أبت من المشي، فهلا أركبتني على إحدى جمالك، فقال له: يا ولدي أنت عزيز كثيرا عندي ولكن الجمل الأصفر أعز منك، ثم سارا مسافة طويلة ، فقال لأبيه : إني أريد الركوب على الجمل الأبيض، فرد أبوه : كم أنت عزيز عندي لكن الجمل الأبيض أعز منك، واستمرا على تلك الحال وكلما طلبه الركوب إلا وأجابه  بما سبق، إلى ان دار دورته على كل الجمال، وكل ومل ..فقال : يا أبت لقد تورمت قدماي ولم تعد لي على المشي طاقة وهذا فراق بيني وبينك، فأعطاه أبوه "المِخْيَطْ"(شكلها شكل الإبرة لكنها اكبر منها حجما وتستعمل لخيط الخيام ..) و"الأشفى" ( رأسها حاد ولها قبضة من عود وتستعمل في عملية الخرازة) والإبرة وتركه و واصل المسير، هذا ما كان من أمره.

    أما احْدَيْدَّانْ فإنه استراح قليلا ثم واصل السير عله يجد بناءا أو عمرانا يلتجأ إليه أو يحتمي به ..ولما أعياه المشي وجن عليه الليل ولم يعد يدري أين يتجه ولا أين يذهب ..فكر فيما أعطاه إياه والده من أدوات، فأخذ الأشفى وغرزها في الأرض فإذا هي دار فسيحة الأرجاء عالية الشرفات، ثم غرز المخيط  فأصبحت سقفا ونوافذ و أبوابا، وأخيرا غرز الإبرة فكانت أثاثا ولباسا من كل ما تشتهيه الأنفس فنام نوما هادئا ومريحا بعد طريق مضنية ومتعبة.

    وكان بالمكان غولة تستحوذ عليه وتراقبه ولا تترك أحدا يدخل إليه إلا افترسته، وفي الصباح لما رأت دار حديدان استشاطت غضبا وتهددت وتوعدت باقتلاعها من جذورها والفتك بمن بها شر فتكة، لكنها لم تصمد أمام قوة جدرانها وصلابة أبوابها ونوافذها، كل هذا وحديدان جالس يتفرج من الداخل وهو مستغرق في الضحك، وكانت لها ابنة في مثل عمره ، وجحش تسقي عليه الماء، فكان حديدان يستيقظ في الصباح الباكر فيذهب للبئر فيسقي الماء العذب ولا يترك لها غير العكر ويركب على ذلك الجحش  حتى يتعبه، و حينما تستفيق ماما غولة  يزداد حنقها، فمنذ مجيئه تكدر ماؤها..واستمر على تلك الحال أياما عديدة.

    أما ماما غولة فإنها لما عجزت عن أخذه بالقوة فإنها فكرت في اللجوء إلى حيلة  تمكنها من إدخاله معدتها، لذلك أمرت بعض الرعاة بأن يجمعوا لها كل واحد قد رأسه من العلك (وهو سائل يخرج من نبات شوكي حينما يجرح ويسمى هذا النبات بالداد وحينما ييبس ذلك السائل يصبح مثل العلكة) وإلا افترسته، فأخذته وصنعت به سرجا ولجاما و وضعتهما فوق الجحش، وفي الصباح جاء حديدان كعادته للبئر ليسقي الماء  فوجده(الجحش) جاهزا ومسرجا  فركبه وسار يتجول عليه فرحا بذلك السرج المريح، وماما غولة لا تفارقه بعين، ولما مل من الركوب حاول الهبوط لكنه لم يستطع وبقي ملتصقا بالسرج، فجاءت وأمسكت به وهي لا تكاد تصدق عينها وقالت : الآن انتهت حيلك يا حديدان الحرامي، ستكون وجبة شهية لغدائي هذا اليوم، فرد عليها :  أما ترين عظامي البارزة، و وجهي المكدود ؟ ماذا ستأكلين، لحما غثا تصبحين بعده مريضة ، فيقال عنك بين الغيلان  إنها لا تأكل إلا الجيفة ؟ ..

    فقالت له: وماذا سأعمل بك لست بحمقاء ولا مغفلة حتى أتركك تنجو مني،

    - خذيني ودعيني عندك حتى أسمن، ويستقيم شحمي و لحمي، حينها سأكون شهيا وطريا.

    فسال لعابها  لما سمعت منه ذلك، وحفرت له مطمورة  و وضعته بداخلها وبدأت تعطيه ما لذ و طاب من فواكه، ومن الحجل والأرانب المشوية،  وكل يوم تطل عليه ابنتها وتسأله هل سمن أم لا يزال، ولما مرت حوالي ثلاثة أشهر  سألته كعادتها فأجابها بأنه قد سمن و اكتمل لحمه وشحمه، فرجعت البنت فرحة وأخبرت أمها بذلك،  فقالت  لها ماما غولة : الآن سأقيم حفلة وسأدعو خالاتك إليها، أما أنت فخذي احديدان و اذبحيه، واطهيه في القدرة، واحذري مكره ودهاءه،

    فأخرجته من المطمورة وهي حذرة من أن ينفلت منها، فقال لها : أرى شعرك قد طال وتهدل و سيسخرن منك بنات خالاتك  حينما يرينك على هاته الحال ، فعمدت إلى بركة من ماء آسن ورأت وجهها فراعها  منظرها الشنيع، وأعطته الموسى ليحلق شعرها، فذبحها بها  وسلخ جلدتها ولبسها، و ضعها في القدرة  لطهيها.. ولما عادت ماما غولة و ضيوفها قالت لابنتها : هل فعلت  بحديدان ما قلته لك ، فأجابها، وهي لا تعرف أنه هو  : أجل يا أماه  و لقد طهوته، لكنني لا أريد أكل لحمه، لأني لا أحب أكل ما حضرته بيدي، فأحضرت لها أمها كبشا سمينا وشوته  وأكلت حتى شبعت ،  وأكلت الخالات  والأم  من لحم حديدان ( الذي ما هو إلا ابنة ماما غولة)، و لما انتهين من الأكل قالت  البنت لأمها: إني أكلت كثيرا وأريد أن أتمشى لأشم الهواء .. و لما ابتعد  و اقترب من داره وأمن نفسه سلخ تلك الجلدة ونادى ماما غولة بأعلى صوته : إني أنا حديدان  و لقد ذبحت بنتك ، وهي ما كنت تأكلين، فهرعت إليه وبدأت تنطح الدار للظفر به، وكمدا على بنتها، إلى ان ماتت و انتهى أمرها .

    أما هو فإنه سل أدواته الثلاث وعزم على الرحيل إلى أرض أخرى لا يجد فيها للغيلان أثر، ولا يسمع لهم صوت.. فلما وصل إلى إحدى البلاد غرز المخيط والإبر الأشفى في الأرض كما فعل سابقا، وليس في الإعادة إفادة، و استراح  من وعثاء سفره وعناءه ، وظفر بالهناء بضعة أيام ، إلى ان خرج يوما ليشم الهواء ويروح عن النفس، ويكشف عن أسرار تلك البلاد، فوجد نفسه وجها لوجه مع ماما غولة أخرى، فطاردته  لكنه سرعان ما دخل فحاولت جهد إمكانها ان تهدم الدار عليه وتأكله لكن عبثا، فبدأت تستعمل الحيلة لجره خارجا  و الإنفراد به، و في الغد قالت له : إن هذه الأرض ماؤها قليل، وإني أعرف بمنطقة  كذا بئر عذب ماؤها، فلو طاوعتني سنذهب إليه غدا. وفي الصباح الباكر قصد ذلك البئر فسقى من مائه الزلال وترك الكدر منه، وعاد،  ولما مرت به قال لها بأنه مريض ولا ينوي الخروج، و في طريق عودتها قالت له: يا احديدان  لقد ضيعت الماء العذب يتلألأ مثل البلور، فرد عليها : هلا سكت من الكذب يا ملعونة، انك ما وجدت إلا الماء العكر، لقد مررت قبلك من هناك،  فاغتاظت وحنقت عليه، وازدادت رغبنها في الإيقاع به فقالت له: أما تصحبني غدا لنحتطب فأني أعرف مكان حطبه جيد و وفير، ففعل معها مثل ما فعل سابقا ، ولما مرت به راجعة قالت له : لقد جمعت حطبا جيدا يغنيني اشهرا عديدة عن الاحتطاب .. ففند كذبها، وزاد سخطها عليه، لكنها كتمت ذلك أملا في الإيقاع به، وقالت له: إني غدا سأذهب إلى أحد الأعراس المجاورة، فهلا رافقتني سنأكل حتى نشبع..وفي الغد  لبس افخر ثيابه وسبقها إلى ذلك العرس، أما  هي فإنها تحولت إلى كلبة تلتقط العظام، فلما رآها عرفها و بدأ يقذفها بالعظام قذفات موجعة، ووجدها فرصة للتخلص منها، فقال للناس بأنها مسعورة فاجتمعوا عليها بالهراوات وقتلوها شر قتلة، وهذا ما كان من أمرها، أما حديدان فإنه سل الإبرة و المخيط الأشفى وانطلق يبغي أرض والده، أما أنا فخبيرتي مشات يمينة يمينة وأنا كلت ضلعة سمينة من ناقة أولاد مينة، و إلى اللقاء في حجاية جديدة ان شاء الله.

     

    <script type="text/javascript"></script> <script type="text/javascript"></script>


    4 commentaires
  • شْلاَّلَة رِيشْ<o:p></o:p>

    يحكى أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر و الأوان رجل ذو مال كثير وخير وفير وكان له ابن مقامر، وفي أحد الأيام قرر ذلك الرجل أداء فريضة الحج، وكان ذلك يستغرق أياما وشهورا، فترك ماله وعياله في ذمة ابنه، و أوصاه بهم، لكن الابن ما إن ذهب والده حتى انغمس كعادته في القمار، فقامر بالبهائم، ثم الأثاث، ثم الدار، بل رهن حتى أهله، وأفلس إفلاسا تاما، ولما اقترب موعد عودة أبيه وبدأت الناس تعد العدد لاستقبال أهلها من الحجاج قال في نفسه : لئن مت خير لي من أن أواجه أبي بهذا الوجه وهاته الحال، فقرر الرحيل إلى حيث لا رجعة، ولما أضناه المشي جلس يستريح تحت ظل أحد الأشجار، و أطرق يفكر ويلوم نفسه على تفريطه في مال أبيه، وبينما هو كذلك إذا به يسمع وقع أقدام كبيرة تقترب منه، فرفع رأسه فإذا به أمام غول عظيم الخلقة فانزعج منه وصعق لهول منظره، فقال له الغول : ماذا تفعل هنا أيها الشاب الوسيم في هذه البلاد القفراء التي لا يسكنها إلا الغيلان أمثالي، فحكى له، بعدما هدأ روعه، قصته كلها من الأول إلى الآخر، فرد عليه الغول : لا تحمل هما ولا غما، خذ هذه الكأس و ارجع إلى  جلسات القمار وأدرها ثلاث مرات فإنك ستربح كل الرهانات، لكن اقطع علي وعدا بأن ترجعها إلي بهذا المكان حينما تبلغ مرادك ومرامك.<o:p></o:p>

    فوعده بذلك وقفل راجعا، ولما وصل فعل ما قاله له فاستعاد كل مال أبيه و فدى ذويه ..ولما بدأ الحجاج بالعودة ذهبت الناس لاستقبالهم، فلما  لاقوا أباه أخبروه بخبر ابنه و بتفريطه في كل المال ورهنه للنساء و الأطفال، فانقلب الضياء في وجهه ظلام، وقال في نفسه :" سأنتظر حتى أتحقق مما قيل، وإن لم يأتي أحد لاستقبالي فسأهيم على وجهي  في أرض الله الواسعة" وظل ينتظر حتى نفذ صبره بعد ان انصرف كل الحجاج مع ذويهم، وفجأة بدا في الأفق غبار ولاح  فخرجت من وسطه صربة من الفرسان يقودها ابنه، جاءت لاستقباله، فعانق الابن أباه وهنأه بالسلامة وعادا إلى الدوار فأقاما الأفراح و العزومات ..وبعد مضي أسبوع أو أسبوعين  تذكر الوعد الذي قطعه على الغول بأن يرد له كأسه، فانطلق يقطع المسافات للقائه فوجده بانتظاره خلف تلك الشجرة، فناوله الكأس وهم بالرجوع، لكنه استوقفه قائلا: لا تنصرف، فإن كنت قد خدمتك لتسترد مال أبيك الذي ضيعته على موائد القمار، فإن لذلك مقابل عليك أن تدفعه، وجميل عليك أن ترده، وما الدخول إلى الحمام مثل الخروج منه، فأدرك من خلال ذلك حيل الغول وخبثه، وعرف أن طريق عودته لأهله-ان كانت هناك في الأفق عودة- سيطول وقال : وما علي فعله لرد صنيعك ومكافأة معروفك؟<o:p></o:p>

    - اتبعني وسأريك ما عليك فعله.<o:p></o:p>

    وسار به حتى أوقفه أمام ربوتين عاليتين فقال له : عليك ان تساوي هاتين الربوتين مع ما انبسط من الأرض قبل مغيب شمس هذا اليوم، ثم تركه وانصرف، وكان للغول سبعة بنات تتسم صغراهن بالحكمة و الدهاء و العدل، ولما علمت من أبيها بأمر"سي محمد"  انسلت، دون أن يعلم بها(أبوها)، لرؤيته، فلما وصلت وجدته مطرقا يبكي ، فأشفقت منه، ووقعت في حبال غرامه وعرفته بنفسها، ونبل أخلاقها، وجور والدها وسوء نيته، وحاولت تهدئة روعه ، فقال لها : كيف لي أن أهدأ ووالدك أعطاني ما لا يطيقه بشر، أن أسوي له تينك الربوتين، فقالت له : لا تحمل في نفسك هما، وأدار ت خاتم حكمتها، فإذا بالربوتين لم يبق لهما أثر، وقالت له : لا تقل لأبي إني مررت من هنا حتى لا ينكشف أمري ويعرف سرك فتكون حجته قوية لقتلك وملء معدته من لحمك ودمك، وفي الغد قم في الصباح وقف عند رأسه وقل له أن يعطيك عملا آخر، فإنك إن لم تفعل فسخ العقد وأكلك، ثم ودعته و انصرفت لحالها، ولما جاء الغول في المساء اندهش لما رأى من أمر الربوتين، واغتاظ لتأجيل وجبة شهية بعدما منى بها نفسه طيلة يومه.<o:p></o:p>

    في صباح اليوم التالي استيقظ "السي محمد" من نومه فحمل المعول و المجرفة (البالة) و وقف عند رأس الغول وهو لا يزال يغط في نومه وقال له : اعطني عمل اليوم فأنا على أتم استعداد، فذهب به إلى مكان الربوتين وقال له : أريدك ان تعمل لي في هذا المكان "غلة بلا وقت" قبل مغيب الشمس، وتركه وانصرف، فقال في نفسه "واشؤماه كيف لي في يوم واحد ان أزرع ما أزرع ويؤتي أكله.." وأطرق يبكي حظه التعيس، فجاءته بنت الغول في مثل وقت الأمس فرأته على تلك الحال، فحاولت مواساته، وأخبرها بما طلبه منه أبوها، فأدارت خاتمها فإذا بالمكان تحول لبستان تتضارب فيه صنوف الفواكه والخضار الصيفية منها و الشتوية من مشمش وبطيخ وجزر وقرع وطماطم وبرتقال وموز وتفاح ..ولما جاء الغول في المساء رأى ما طلب حاضرا واغتاظ مرة أخرى، وفي اليوم الموالي  ذهب به إلى شجرة عالية صماء صعب تسلقها أو حتى التفكير في  ذلك فقال له : اصعد هذه الشجرة وفي منتهاها ستجد بيض "الريح في الريح" عليك ان تحضره قبل الغروب، وتركه وذهب لحاله، فحاول جهد إمكانه تسلقها لكن عبثا فما يكاد يمسها حتى ينزلق ويهوي أرضا، ثم سلم أمره إلى الله، ولما جاءت بنت الغول كعادتها  أشارت بخاتمها نحو الشجرة فانحدرت حتى أصبحت في متناوله  فأخذ البيض لكنه كان بيضا عاديا، فقال لها : انه بيض ليس له من الريح شيئا، لكنها بذكائها وفطنتها أخذته وثقبته وأسالت محه فأصبح كله خاويا إلا من الريح، وفي صباح الغد جمع الغول سلة (شْلاَّلَة) وعدل(شْوَارِي) من الريش  واقتاده إلى مكان به شوك كثير وريح قوية فنثر ذلك الريش وقال له بأن يجمعه كله قبل المغيب، فكان كما قال الشاعر:<o:p></o:p>

    وَحَظِّي مِثْلَ دَقِيقٍ فِي أَرْضِ شوْكٍ نَثَرُوه×وَقَالُواْ لِحُفَاةٍ فِي يَومِ رِيحٍ اجْمَعُوه<o:p></o:p>

    وبدأ يجري وراء الريح كالمجنون إلى أن دمت قدماه ونفذت أنفاسه، فجاءت ابنة الغول كعادتها وأدارت خاتم حكمتها وجمعت كل الريش وأعادته إلى مكانه وقالت له : إن أبي لا محالة سيكتشف أمري معك فيؤكلك ويقتلني، لذلك  سنهرب في الظلام إلى أرض  يصعب عليه منالها والوصول إليها فنعيش بسلام، ولما جن الليل ذهبا إلى الإسطبل وقالت له : هنا يوجد عود الريح وعود البرق وسرج الريح وسرج البرق، فاختر ما سنركبه، فحمل سرج البرق و وضعه فوق عود الريح لكنه سقط لتوه لأنه لا يطابقه،  ثم بدله بسرج الريح  فركبا وانطلقا في جنح الظلام.<o:p></o:p>

    أما الغول فإنه، لما استفاق في الصباح  ولم يجدهما، قد استشاط غضبا وتهدد وتوعد، وعرف أن الأمر دبر بليل،  وازداد غضبه حينما لم يجد عود الريح، فأدرك أن ذلك كله من تدبير ابنته وأنها هي التي كانت تقوم بتلك الأعمال التي كان يقترحها على" سي محمد"، فأردف زوجته على عود البرق وعزم على اللحاق بهما، ولما اقترب منهما هو زوجته  التفتت ابنته إلى الوراء فإذا بها ترى في الأفق طلائع برق ورعد فقالت : انظر يا"سي محمد" وراءك ، فقال لها : رعد وبرق لا محالة مدركنا، فردت عليه : ما ذلك ببرق ولا رعد إنما هو أبي  في عقبينا، وإنه مدركنا ولكي نتحاشاه سأتحول إلى بستان وأنت صاحبي، وحينما يمر بك أبي، فتظاهر بالبلادة والغباء، فلما مر به الغول وزوجته وجداه يعمل في بستانه بحيوية ونشاط ، فسلما عليه لكنه رد عليهما : الدّْلاَّعْ فْرَنْكْ و نُصّْ ، فقال الغول لزوجته : إن هذا البستاني غبي وبليد ولا يمكنه أن يخبرنا بخبرهما، وانصرف يبحث عنهما في المناطق المجاورة ..أما هما فلما اطمئنا على سلامتهما واصلا المسير، لكن الغول جد في اللحاق بهما من جديد ، ولم داهمهما تحولت إلى محراث فأخذه رفيقها(سي محمد) وبدأ يشق به الأرض شقا، فلما رآه أبوها بادره بالتحية، فرد عليه ببلادة وسذاجة : تَانْحَرْثُوُاْ فِي الفُولْ، فقال لزوجته : إن هذا الحراث أغبى من سابقه، و رجعا إلى بلاد الغيلان بعدما أضناهما البحث و أنهكهما وهذا ما كان من أمرهما.<o:p></o:p>

    أما ما كان من أمر السي محمد وابنة الغول فإنهما  واصلا المسير قاصدين أرض والده، ولما وصلا  فرح بهما أبواه فرحا شديدا، وطلبها للزواج على سنة الله ورسوله، فأجابته إلى ذلك وقالت : إياك ان تترك أحدا يقبلك في جبينك فإني قرأت في خاتم حكمتي ان تزوجتك  سيصيبك ذلك بنسياني ..<o:p></o:p>

    فتزوجا و أقاما الأفراح وذبحا الذبائح وعزما العزومات، وانسابت بهما الأيام، وطابت لهما الحياة، وأنجبا طفلتين جميلتين، إلى أن جاء يوم  جاءت فيه عمته لرؤيته فوجدته غارقا في نومه فخشيت إزعاجه فقبلته في جبهته، ونفذ القضاء و القدر، ولما استفاق من سباته لم يعد يذكر شيئا مما حدث له  بما في ذلك زوجته وبنتيه، وكأن شيئا لم يحصل فترك منزله وهام على وجهه.<o:p></o:p>

    كان في الدوار ثلاثة صعاليك، ولما رأوا الزوجة بقيت وحيدة مهجورة ظنوا بها الظنون، وسولت لهم أنفسهم الخبيثة الظفر بها والتمكن منها، فجاءوها كل واحد على حدى، دون أن يعلم أحدهم بالأخر، مهددين متوعدين ان هي لم تجب سؤلهم، وهم لا يعرفون أنها غولة ابنة غول، لكنها لم ترد استعمال قوتها معهم لنبل أخلاقها، إنما استعملت حيلتها وحكمتها لتفادي شرهم، فقالت للأول بان يذهب لمنزله ويحضر لها العشاء ويأتيها به، وقالت للثاني بأن يسقي لها الماء، وقالت للثالث بان يأتيها بعد ان يستحم، فأما الأول فكان كلما طها العشاء وفاحت رائحته إلا ووجده وكأن لم تمسسه نار، فظل يطهو إلى الصباح.. وأما الثاني فإنه كلما ملأ الدلو من البئر وأصعده إلا و وجده فارغا وليس به قطرة ماء، وبات على تلك الحال الليل كله، و أما الثالث فكان كلما هيأ الماء وأسخنه إلا و وجده نجسا، وبقي كذلك إلى أن لاح الصباح، وشاع حديثهم في الدوار، وسمعه السي محمد  فدفعه الفضول إلى تلك المرأة لمعرفة أمرها وكشف سرها، فطرق بابها ولما رأته عرفته وأدخلته بيتها وهو لا يعقل شيئا أو يتذكره وجاءت بنتاه  لعناقه والمرح معه .. ثم بعد ذلك أخذت وعاءا من الماء البارد وضربته به بقوة وعنف استرد بعدها كل ذاكرته ، فعانقها وعانق ابنتيه وعاش الجميع حياتا سعيدة إلى ان جاءهم هازم اللذات و مفرق الجماعات، أما أنا فخبيرتي مشات مع الواد و أنا بقيت مع أولاد الأجواد، وأضرب لكم موعدا إن شاء الله في حجاية جديدة.

     

    <script type="text/javascript"></script> <script type="text/javascript"></script>


    votre commentaire
  •  

    شرَّاب الحليب

     

    يحكى أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر و الأوان رجل ذو سعة و مال، ولم يرزق بنسل أو ولد فحز ذلك في قلبه و اغتم غما شديدا، وخاف إن مات لا يرثه وارث، فينتهي بذلك أمره، ويندثر ذكره، ويذهب بثروته الذاهبون، فتألم وبكى، وتضرع لخالقه و شكا، وفاضت نيته وغلا في أمنيته، فطلب الله أن يرزقه ولد يأكل ولا يشبع، وإن أمرته لا يسمع، "وَكّْلِيهْ مَا يْشْبَعْ، و سَخّْرِيه مَا يَسْمَعْ" ففتحت السماء أبوابها لطلبه، ومن تلك الليلة حبلت زوجته، فذبح الذبائح ، وعزم كل غاد ورائح.

     وجاءت لحظة المخاض فرزق ولد كأنه البدر ليلة أربعة عشر، أضاء أرجاء قلبه و أركان بيته، لكن حاجة الطفل للغذاء كانت تزداد يوما عن يوم، حيث لم يعد ثدي أمه يكفيه، بل يزيد على ذلك حليب شاة أو شاتين، ثم السطل فالسطلين فيما بعد ذلك، لذلك أطلق عليه الناس "شرَّاب الحليب" و ما إن بلغ الفطام، وبدأ يأكل الطعام، حتى أصبحت لا تكفيه الدجاجة أو الدجاجتين، وهو يكبر وتكبر معه الرغبة في الأكل، ولما استوى طفلا بدؤوا يشوون له خروفا مع قصعة من الكسكس، ثم خروفان فثلاثة..كما أنه  أخذ يزداد تعنتا، وتجبرا، وغطرسة، ولما استوى عوده، و استقام شبابه، أصبح لا يكفيه جملا أو ثورا مشويا وعشر قصعات من المرق، أو الكسكس لكل وجبة وبدأت ترهبه الناس وتخافه، وشاع خبر تعنته في كل البلاد، واشتكى منه العباد، وخلال هذا العمر كله كان قد أتى على كل ثروة أبيه، وما بقي منها لن يصمد إلا بضعة شهور، فخاف الأب من الإفلاس، وضاق ذرعا بشكاوى الناس، فقال لولده :"أي بني  لقد نفذ الزاد، واشتكى من تعنتك العباد، ولست بقادر على تحمل أذى السلطان، ولا نكبات الزمان، فاسلك لنفسك مسلكا تسلكه، ونهجا تنتهجه.."

    فلما سمع "شرَّاب الحليب" من أبيه ما سمع، ودع أمه، وهام على وجهه يبغي أرضا يحلو له فيها مقامه، ويهنأ باله، فسار مسيرة يومين أو ثلاثة إلى أن أتى على أرض موحشة فاختار بها جبلا عاليا يراقب جميع المسالك والطرقات، وبنا به  مسكنه، وأقام هناك وهو لا يزداد إلا تجبرا وتعنتا ، يقطع الطريق، ويعترض سبل الناس زرافات و وحدانا، فكان كلما رأى مزارعا، أو متسوقا، أو قافلة  إلا و دوَّى بصوته كالرعد: " وَا هَاذُوك الدَّايْزينْ وَا حُلُّوا لْجَاماتْكُم وْ نُصْلوُا لْباساتْكُم وْ سِيرُوا فْحَالاتْكُم" فما يكون منهم إلا أن يتركوا ما لديهم من غال و رخيص، ومن حاول المقاومة لا ينفك أن يستسلم حينما يراه مقبلا نحوه  والغبار يتطاير من حواليه غير  آبِهٍ لما يعترضه من أشجار..

    فشاع خبره في الأمصار وذاع، وتقدم الخاص والعام بشكواه إلى السلطان، فبعث هذا الأخير بأعوانه لإحضاره وتأديبه، وما كادوا يقتربون من خلوته حتى  راعهم دوي صوته، فولوا هاربين، فبعث بآخرين و آخرين من بعدهم فكان مصيرهم كسابقيهم. وفي الأخير التجأ إلى أبويه مهددا ومتوعدا إن هما لن يتمكنا من ردع ابنهما، و إحضاره بين يديه (السلطان) فانطلقا يقطعان الفيافي و الفلوات إلى أن شارفا  على الجبل الذي يسكن فيه، فلما رآهما خاطبهما بعباراته المعهودة، فأما والده  فقد انقلب على عقبيه  بعدما ارتعدت مفاصله  لما سمع من ابنه، وأما أمه فقد دفعها الشوق الجياش، وعاطفة الأمومة  للقاء فلذة كبدها مهما كلفها من الأمر، و لما أشرفت عليه عرفها فهدأ غضبه، وسكن غيظه، وعانقها بحرارة وهدأ من روعها، وطمئنها، فحكت له ما جاءت من أجله وما كان من أمر السلطان.

    في الغد بعدما اعتنى بأمه أشد الاعتناء، واستراحت من عناء الطريق، أردفها وراءه، و انطلقا، هذا ما كان من أمرهما. أما ما كان من أمر السلطان فإنه لما عاد أعوانه مهزومين، أصبح يحسب لشراب الحليب ألف حساب، ويبحث عن وسيلة وحيلة للتخلص منه دون مواجهة أو نزال، فاستعان بكاهنين من كهنته الأول يسمى "طَوَّاعْ لجْبَال"ويعمل بسحره على شق الأرض، و الثاني "فتّال لَحْبَال" و كانا من أمكر و أدهى أهل زمانهما ، و أمرهما  أن يظهرا له ودا، ومجاملة، ولما وصل شراب لحليب قصر السلطان، كتم هذا الأخير ما أضمر عليه، و أظهر له البشاشة و الترحاب، و أنه ما طلبه إلا لإكرامه  وعزومته وضمه إلى حاشيته، وقدم له الكاهنين، فأعجب بظرفهما، وروح دعابتهما وهما يخفيان له عكس ما يبديان. ولما حضر الأكل قدمت الوجبات في آنية من فضة وذهب، و كانت وجبات عادية في كمها، الشيء الذي أغاض شراب لحليب وهو الذي يأكل الثور أو الجمل  في وجبة واحدة، فما عساه فاعل بفرخ أو فرخين من دجاج أو حمام..فأرعد وأبرق، وهجر مائدة السلطان، فتبعه الكاهنان  محاولان تهدئة غضبه ، وتسليته عما لحق به من إهانة ، وعزما على صحبته، وواعداه على عدم فرقته، وانطلق ثلاثتهم يبغيان أرضا أخرى إلى أن استقر بهم المقام بغابة كثيفة أشجارها، وجارية مياهها، و وافر صيدها، فعمل طواع الجبال بسحره على تهيئة المكان و تسويته .. وعمل فتال لحبال على إقامة خيمة كبيرة من شجر الدوم، واستقروا هناك، فكانوا في النهار يخلدون للراحة، وفي الليل يذهب شراب لحليب رفقة أحد الكاهنين للصيد، فيما يقوم الآخر بأعمال البيت من طهي، و تنظيف، وطحن الرحى.. واستمرا على تلك الحال مدة غير يسيرة من الزمن وهما يتحينان الفرصة للتخلص منه(شراب الحليب) و الإيقاع به، و إسقاطه في مقلب من مقالبهم. و في إحدى الليالي وبينما شراب لحليب ذاهب للصيد رفقة طواع لجبال، وبينما فتال لحبال كالعادة يقوم بالطهي، إذ سمع خشخشة أقدام كبيرة تقترب من الخيمة رويدا، ثم ما فتأت أن كشفت عن غولة عظيمة الخلقة، قبيحة المنظر، نتنة الرائحة، فبهت وصعق لرؤيتها برهة، ثم قالت له : هلا أعطيتني، قبس من نارك، فما ببيتي نار. فناولها  جذوة  مشتعلة  لكنها أطفأتها، وأطفأت معها كل النار و بقيا في الظلام، وقالت له : أنفخ  لتتأجج. فرد عليها: أنفخي أنت، و بعد مساومة طويلة على من ينفخ على النار، انتهى بالإذعان لأمرها، وانكب ينفخ، فوجدتها فرصة سانحة لأخذ كل ما طهاه من زاد  و ابتلعتها الأرض. ولما عاد  صديقاه في الصباح  لم يجدا شيئا يأكلانه و قد أنهكهما عناء الصيد، و أوحال الغابة و أدغالها، ولم يجرؤ على إخبارهم بما حصل خوفا من اتهامه بالمس و الجنون، و تذرع بأن غلبه النوم، وفي الليالي الموالية كانت تجيء الغولة كعادتها  و يحدث معها كما في المرة الأولى، وليس في الإعادة إفادة،

     ولما ضاق ذرعا بأمرها، قرر البوح بحقيقتها لصاحبيه، فحدثهما بقصته معها، وأنها هي التي تخطف كل ما يطهو..كما أن شراب لحليب طيلة أيام مجيئها لم يعد يأكل بالقدر الذي يأكله سابقا، إنما أصبح يأكل مثل رفيقيه، وقلت عجرفته وتعنته، والواقع أن تلك الغولة ولدت  يوم ولادته، فأصبحت تأكل من بطنه، وهو ما يفسر كمية ما كان يأكله،  فيشبع لشبعها، ويهيج لهياجها، لذلك حينما اختطفت ما اختطفته من زاد و أكلته،  لم تعد حاجته للطعام إلا لما يكفيه..

    فلما سمعا من فتال لحبال ما سمعا، قرر شراب الحليب أن يحل محله تلك الليلة، ولما جن الليل بدأ ينتظر مجيئها الفينة بعد الأخرى، ولم يغمض له جفن حتى بدا الصباح بنوره ولاح، لكنها جاءت دون أن يشعر بها، ولما اقتربت من الخيمة عرفته فولت مذعورة خوفا من بطشه. وفي الليلة الموالية لما تأكدت من غيابه جاءت كعادتها، وفعلتها بفتال لحبال مرة أخرى، مما أغاظ شراب لحليب فاستشاط غضبا، وتطاير الشرر من عينيه، وقرر أن يتنكر لها في ثياب صاحبه عساه يظفر بها. دخلت عليه دون أن تعرفه وقالت له كالعادة بأنها تريد قبس من نار.. ولما قال لها انفخي، عرفت صوته، وتيقنت منه فولت هاربة، لكنه تبعها للتو دون أن يظفر بها ، و ابتلعتها الأرض وكأن شيئا لم يكن، ولما عاد الكاهنين في الصباح حدثهما بأمرها، فدارت الفكرة في رأسيهما ووجداها وسيلة للتخلص منه، والعودة إلى الأوطان بعد فراق طويل، وفرصة سانحة لا تعوض، فقال له طواع لجبال: سأعمل بما لدي من حكمة وسحر على شق الأرض، وصديقي بما لديه من خبرة و إتقان على فتل حبال متينة ..

    وللتو أشعل البخور، وبدأ يتكلم بعبارات غير مفهومة، و أحيانا  يهدر مثل الجمل ، واستمر على تلك الحال ساعات طويلة من النهار، فيما انهمك صاحبه بفتل حبال محكمة الإتقان..وفجأة انشقت الأرض عن بئر عظيمة وعميقة ، ومظلمة ، فحزما شراب لحليب بتلك الحبال الطويلة، واهبطاه فيها ليتخلص من تلك الغولة هذا ما كان من أمره.

    أما ما كان من أمر الكاهنين فإنهما لما أنزلاه في الهوة، وضعا حجرا فوق الحبال لئلا تسقط، وانصرفا يبغيان أرضهما، سيقول قائل لماذا يعملان كل هذا، كان عليهما أن يعملا حبلا واهنا ولما يتدلى ينقطع به فيموت وينتهي أمره..لكن إن مات فمن سيسد جوع تلك الغولة التي ستعمل على ملاحقتهما أينما حلا وارتحلا، وإن هما لم يضعا حجرا لمنع الحبال من السقوط ، فإنها إن سقطت عليه سيكتشف أمرهما مما سيثنيه عن عزمه وربما تحالف معها..

    حينما وصل إلى القعر انبثق له عالم  من المغارات ولم يعد يدري أين يذهب ولا أين يتوجه، وبدأ يخبط خبط عشواء من مغارة لأخرى إلى أن وجدها، وبرفقتها سبع من بنات الملوك الأبكار الجميلات يخجل القمر من جمالهن، و كانت قد اختطفتهن من قصورهن ليكن وصيفات لها، ولما رأته قامت لمنازلته، فشب بينهما عراك شديد، وصراخ مروع ، ودارت بينهما جولات عديدة دون أن يظفر أحدهما بالآخر، ولما أوشك النهار على نهايته أصابها التعب والجوع و مالت كفته عليها فصرعها، فجاءته البنات يهنئنه بالنصر ويهنئن أنفسهن بالخلاص، وعاهدهن على أن لا يتركهن إلا عند أهلهن، ورجع يبحث عن الحبال ليخرج ومن معيته، لكنه ما إن كاد يتشبث بها حتى سقطت عليه، و انطوت عليه حيلة صاحبيه، فأيقن من هلاكه وهلاك البنات فاهتم واغتم لذلك، فلما رأينه هكذا قالت له إحداهن: لقد سمعت الغولة تقول يوما لنا، بأنه غير بعيد من هنا توجد ضاية من الماء، إذا عثرنا عليها وقلنا "أُرْرْ"(كلمة تقال للماعز إذا أردت سوقه) ثلاث مرات، فإن خرج لنا منها تيس أسود فعلينا وعلى دنيانا السلام، فلن نخرج من هنا  أبدا، وإذا طلع لنا تيس نصفه أبيض والنصف الآخر أسود، فسنتيه  مدة من الزمان ثم نجد بعدها ضاية أخرى، فإذا طلع لنا منها تيس أبيض ستنفتح لنا الأرض  ونرى النور ويكون خلاصنا.

    فانطلقوا يبحثون عن تلك الضاية أياما وشهورا، يمنون النفس ببصيص من أمل سرعان ما تمحوه كوابيس التيس الأسود، ولما وصلوا إليها قالوا بصوت واحد:" أُرْرثلاث مرات، وما هي إلا لحظات حتى سمعوا دوي فرقعة عظيمة تنبعث من العمق، فارتعدت فرائصهم،وانحبست أنفاسهم، و أطل برأسه الأسود تيس عظيم من وسط تلك العين، فأيقنوا من هلاكهم، و تبدد أملهم في النجاة، وسيقضون في جوف الأرض ما تبقي من أيامهم، لكن الإنسان بطبعه عجول وما خرج من التيس إلا نصفه أما نصفه الآخر فكان أبيضا، فلما رأوا ذلك تبدل اليأس بالرجاء، وتحول الظلام في وجوههم إلى الضياء، وواصلوا المسير وقد تجدد أملهم بالنجاة، إلى أن وصلوا لضاية أخرى، فانحبست أنفاسهم، وارتعدت مفاصلهم، فهذه هي المرة الأخيرة فإما تيس أبيض وخلاص وشيك، وإما أسود وهلاك بطيء في ظلمات الأرض بعيدا الأوطان..ولما قالوا" أوْرّْ" انبعث من العمق صوت كالسابق أنم عنه تيس لما خرج كان أبيضا كالثلج، بدد يأسهم، فتعانقوا، وهنئوا بعضهم البعض ببشارة الخلاص، وساروا أيام عديدة بعد ذلك، وفجأة تراءى لهم  نور شاحب صغير يزداد قوة ولمعانا  كلما مشوا نحوه، ولما وصلوا إليه، كانت مفاجأتهم كبيرة، وفرحتهم عظيمة، إذ بهم يروون سطح الأرض الأخضر المعشوشب، ويسمعون أزيز النحل وهو يلثم خدود